لبنان الوطن والدّولة في قلب الإعصار
رضوان السيد الحياة - 13/05/08//
جاء قرار الجامعة العربية بإرسال وفد وزاري عربي كبير الى بيروت مع الأمين العام للجامعة، وبرئاسة رئيس وزراء قطر، معبِّراً عن الأوضاع الجديدة في الداخل اللبناني، والتي استحدثتها سيطرة «حزب الله» على بيروت والامتداد باتجاه الجبل وربما البقاع الغربي وراشيا. فرئاسة الوفد لقطر، والحوار اللبناني إذا وافقت الأطراف، سيتم في قطر. ولقطر - كما هو معروف - علاقات ممتازة بسورية، وجيدة بالرئيس نبيه بري و «حزب الله»، والجنرال ميشال عون، الذي لم يزر دولة عربية غيرها في السنوات الأخيرة. وبحث مجلس وزراء العرب عن «التوازن» في موضعين آخرين: الحفاظ على الأصول الدستورية للنظام اللبناني، وضرورة عدم حصول الطرف الذي استثار الأحداث الأخيرة على مكاتب سياسية نتيجة لذلك. والنقطة الثانية: أن الحل للخروج من الأزمة يبقى قائماً على بنود المبادرة العربية أو السلة المتكاملة لتسوية الأزمة. وسيسأل كثيرون طبعاً عن مدى فعالية وجدية ما جرى التوصل إليه، أو مدى فائدته في الخروج من المأزق. وهذه أمور لا تتوقف على إرادة العرب أو الأطراف اللبنانيين وحدهم (والخصومات ناشبة وبقوة ليس بين اللبنانيين وحسب، بل وبين العرب أيضاً، بل وعلى الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بالمنطقة كلها.
وكي تكون المقاربة لهذا الموضوع الشائك متكاملة ومحيطة بشتى الجوانب، يكون علينا القيام بإيجاز باستعراض ثلاثة أمور: التطورات الأخيرة للنزاع الداخلي اللبناني، والظروف الإقليمية والدولية المحيطة، والوضع الراهن للتجاذبات في المنطقة. في تطورات النزاع، وصل الجميع الى حائط مسدود، وظهر جلياً أن قوى المعارضة لا تريد رئيساً للجمهورية، وفي شكل أخص «حزب الله» وحليفه الجنرال عون. أما فريق 14 آذار فلا يقبل حكومة للمعارضة فيها حق النقض أو التعطيل أو الإسقاط، كما لا يقبل بحثاً في الحلول المستقبلية من من دون انتخاب رئيس للجمهورية. وقد ترتب على بلوغ هذه التطورات ذروتها ظهور تصدع في المعارضة أبرزه تخلّي النائب ميشال المر وكتلته عن تحالفهم مع الجنرال عون، والخسارات المتوالية في روابط الطلاب بالجامعات، وفي النقابات الحرة، لسائر أطراف المعارضة وبخاصة «حزب الله» والجنرال عون. وهكذا، فإذا كان «حزب الله» يستند الى قوة سلاحه، ووقوف الطائفة الشيعية من حوله، فإن الجنرال عون يوشك أن يصبح لدى المسيحيين عُملةً غير قابلة للتداول. ولذا كان ضرورياً القيام بعمل حاسم لإعادة الأنفاس الى الجنرال عون، وإلى سائر تلوينات المعارضة الدرزية والسُّنيّة.
وتوافق ذلك مع ظروف عربية وإقليمية ضاغطة. فقد قاطع العرب الكبار (مصر والسعودية) مؤتمر القمة في دمشق متهمين سورية بعرقلة الحل، وانتخاب الرئيس التوافقي في لبنان، وانصرفت سورية ماضغة غيظها لإقامة علاقات - سمّتها استراتيجية - مع تركيا. وفي الوضع الإقليمي أقبلت الحكومة العراقية على تصفية ميليشيا مقتدى الصدر، التي يتحرك الإيرانيون أمنياً من خلالها، واضطرت «حماس» الى زيادة التواصل مع مصر ومحاولة حل الإشكالات في العلاقة بعد انفجار «حماس» باتجاهها نتيجة الحصار الإسرائيلي.
وازداد التوتر بين إيران والولايات المتحدة في البر والبحر، وعاد الملف النووي الى الواجهة، وأُضيف العراق بقوة الى نقاط الاحتكاك، وعاد الرئيس محمود أحمدي نجاد الى إطلاق التصريحات بالويل والثبور وعظائم الأمور. وتدخل المرشد الأعلى للثورة - وهو قليلاً ما يفعل - لدعم نجاد في وجه المعارضات الداخلية المتصاعدة، والتذكير بقوة إيران وحقوقها.
وقد حدثت تلك التطورات على مشارف مجيء الرئيس بوش الى المنطقة من أجل المشاركة في احتفالات إسرائيل بعيدها الستين، ومن أجل الاجتماع بالزعماء العرب والتشاور معهم في مسألتين: دفع عملية التسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتوجيه الأنظار مجدداً الى الخطر الإيراني الذي يهدد الأمن في المنطقة والعالم!
كيف يمكن إحداث صدع قاطع يعطل هذه التطورات كلها، أو يحوِّلها لمصلحة إيران وحلفائها؟ يمكن التفكير طبعاً بشن هجمات صاروخية من جانب «حزب الله» على إسرائيل إبان الذكرى الستين أو بعدها بقليل. وهذا لو حصل فسيزعج الولايات المتحدة بالتأكيد، لكن قد تترتب عليه عواقب كبيرة، من بينها خراب على لبنان والطائفة الشيعية على الخصوص، أكبر مما حصل في حرب تموز (يوليو) عام 2006. كما يمكن أن يجرَّ الى حرب في المنطقة تنال من سورية، وقد تُتخذ ذريعة لزيادة أسباب مهاجمة إيران بالذات. وأظن أنه لهذه الأسباب كُلِّها، ولتحميس سورية (المجروحة من العرب) للمشاركة، جرى اتخاذ القرار بالاستيلاء على بيروت والجبل، باعتبار ذلك أقل كلفة وأسهل. ثم انه لو شنّت إسرائيل هجوماً على «حزب الله»، أو أراد هو القيام بعملية تذكيرية ورمزية في الذكرى الستين لقيام الدولة العبرية على أرض فلسطين، فإنه سيكون في موقع أفضل لأن قواعد ومراكز إطلاق صواريخه ستكون منتشرة ليس في بعلبك والهرمل وحسب، بل وفي جبال جبيل، ومنطقة عاليه، وجبال الباروك، بل وداخل بيروت أيضاً وبحماية المدنيين! على أن الاستيلاء على بيروت بالذات لا يُزعج العرب والمجتمع الدولي وحسب، بل يتيح المجال لمساومة أوسع في سائر الاتجاهات: تزداد مخاوف الخليجيين على أمنهم من النفوذ الإيراني بجوارهم وفي بلدانهم، ويدفع ذلك العرب من جهة ثانية الى التواصل مع إيران وسورية من أجل السنّة في لبنان، كما يدفع أوروبا المسيحية لترطيب الأجواء مع الطرفين من أجل المسيحيين.
ويمكن بالطبع مراقبة الأوضاع بعد الاستيلاء، والنظر أين يمكن التقدم، وأين يمكن التمهل. فالأوروبيون ليست لديهم أنياب، كما قال لهم المحافظون الجدد الأميركيون قبل خمس سنوات على مشارف غزو العراق. وقد يدفعهم ما جرى للبنان الى تحسين عروضهم لطهران في مقابل النووي. ولديهم إضافة الى المسيحيين اللبنانيين جنود كثيرون منتشرون في جنوب لبنان، وقد يتحولون الى رهائن أو أهداف. والأميركيون في سنة انتخابات وقد لا يتحركون، وإذا تحركوا يكون «حزب الله» مكافحاً للامبريالية والتي تنبأ الإمام خامنئي بهزيمتها في لبنان. ثم إن العرب إن لم يتنازلوا ويتوسطوا، فقد ينكفئون، كما حصل من قبل في الثمانينات تجاه سورية الأسد. وعلى رغم ذلك كله، فإن اشتدت ردود الفعل العربية والدولية، فيمكن القبول ببقاء اتفاق الطائف شكلاً، وتكون الطائفة الشيعية هي الوازنة فيه ومن ورائها إيران.
لكن، لماذا لم يأخذوا في الاعتبار التوتر السُنّي والذي قد يزداد، وبخاصة بعد حدوث الاستيلاء على بيروت بهذه الطريقة الفضائحية؟ هناك أمران كلاهما مقصود: إرهاب المدنيين، وإسكات وسائل الإعلام. فالدخول الى المدينة بهذه الطريقة الفظيعة سيحول دون تحرك المدنيين أو تمردهم، كما أنه يُخيف العرب من أن يحدث ببلدانهم ما حدث لبيروت. أما وسائل الإعلام الموقوفة أو المحروقة، فالمطلوب ألاّ ينقل أحد الصور والأحداث التي لا يريدونها. فباستثناء الـLBC البعيدة نسبياً، كل وسائل الإعلام الأخرى موالية لهم، وهم يموّلون القسم الأكبر، في حين تُساعد دولة قطر في الباقي. وتُضاف الى هذين العاملَين الرئيسيين عوامل أخرى تتصل بالأحقاد التي انتشرت لدى سائر الأطراف خلال النزاع الطويل، والتي قد تدفع أفراداً للتصرف مذهبياً من دون أوامر مثل ذاك الذي أطلق النار فقتل مشيِّعي جنازة قتيل، بسبب الهوية الطائفية التي قدّرها للمشيِّعين!
جاء اجتياح «حزب الله» لبيروت، ليقضي على نتائج الثورة التي أخرجت الجيش السوري، وليعيد الأوضاع الى ما كانت عليه إبان الوجود السوري، لكن بوصايته ووصاية إيران هذه المرة، وليس سورية. وسورية وأنصارها شريك صغير، لكنه يستفيد من شفاء غليل وشماتة وربما ازدياد حاجة العرب إليه، في حين تحتاج إيران في الاستيلاء على عاصمة عربية الى تغطية وإن تكن شكلية (أو تكون شعارات الحزب القومي السوري على مبنى تلفزيون المستقبل المحترق هي المكافأة؟!). لكن العرب مشدوهون وغاضبون، ولن يكون من السهل إرغامهم على التسليم أو الانكفاء. والأوروبيون، والولايات المتحدة، لن يستسيغوا بسهولة السيطرة الإيرانية، وأُصولية «حزب الله»، الذي يقارنونه ببن لادن. وفوق هذا وذاك فالنظام اللبناني صعب صعب، وكما لم تستطع الطائفة المارونية السيطرة عليه من قبل طويلاً، فكذلك الحال مع «حزب الله»، على رغم المزاج الشيعي الفائر الآن في لبنان والعالم العربي، أو لأنه كذلك. فالأصولية لا تستولد أصوليات فقط، بل تستكثر من الخصوم وفي الداخل والخارج وبداعٍ ومن دون داعٍ.
لبنان الوطن والدولة في عين الإعصار. والعلاقات العربية - الإيرانية تلقت ضربة قاسية على هشاشتها في الأساس. وسورية ازدادت ابتعاداً عن العرب المعتدلين والمتطرفين. والعلاقات السنيّة - الشيعية دُقَّ فيها إسفين يفوق الإسفين العراقي، ففي العراق الاحتلال الأميركي، ولا مثيل له يمكن الاعتذار به في لبنان. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
كاتب لبناني
|