موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 02:42 GMT - 2008/07/04

حال الطقس في 101 مدينة







ثأر وغلبة، لا مصالحة ولا ديموقراطية

دلال البزري     الحياة     - 07/01/07//

صدام حسين، كديكتاتور دموي، كان يستأهل محاكمة عادلة. ليس من اجل فكرة صميمية العدالة نفسها فحسب؛ بل من اجل اخلاقية فعل أراده اصحابه أن يكون «تأسيساً» لحقبة جديدة. ثم من اجل مظلومية آخرين حجبتهم المحاكمة، ومن اجل التوثيق الدقيق للتاريخ، وبشهوده الاحياء. محاكمة صدام لم تكن عادلة. اقتصرت على «الدجيل» و»الانفال». ولم تات على ذكر ضحية واحدة من خارج هاتين الجريمتين. مثل جرائم الصعود الى مراتب الحزب والدولة المختلفة. وجرائم تثبيت السلطة. وجرائم الاقصاء الاستباقي والاجراءات الاستبدادية. وحتى الجرائم العائلية، مثل قتل صهرَيه، زوجي ابنتيه.

كل هذا لم يكن في بال «بناة» الديموقراطية العراقية الجديدة من اميركيين وحكومة منتخبة. منتخبة حقاً.

فقط انصبّت الجرائم على الشيعة والاكراد، وفي واقعتين محدّدّتي الزمان والمكان، دون غيرهما من الوقائع الدموية التي حفل بها عراق البعث الصدامي. المحاكمة اغفلت تواريخ واسماء. وسوف تنشط من بعدها الذاكرات الشفاهية الخفيضة، وطبعاً الشائعات، ومناخات خائفة ومخيفة.

محاكمة صدام حسين لم تكن عادلة. اما اعدامه، فكان ظالماً. وانطوى على قدر اوضح من النوايا الثأرية المدمرة لما تبقى من نسيج البلاد. كان يجب توقع أن محاكمة كهذه سوف تفضي الى نهاية كتلك. نهاية تتعارض تماما مع خطابي «المصالحة الوطنية» (الحكومة) و»انشاء الديموقراطية» (الاميركيتين). كل شيء في عملية الاعدام وطقوسها المستجدة يشي بالثأر. ثأر طائفة من اخرى. كل شيء محدّد: من سياق المحاكمة الى سرعة التنفيذ، وهي سرعة تعزّ قي اماكن اخرى... الى تفرّدها بضحايا محددين طائفياً (شيعة)، قبل الانتهاء من محاكمة «الدجيل» (وضحاياها اكراد)، الى وجود جماعة الغلّ الصدرية في مشهد الاعدام وصراخها المتشفّي («مقتدى! مقتدى!»...)، الى المكان الذي نفذ فيه الاعدام، وهو نفسه المكان الذي كان ينفذ فيه صدام ورجالاته قرارت الموت والحياة لآلاف العراقيين. كل شيء في عملية اعدام صدام حسين كان مثاراً للشبهة وللكثير الكثير من الريبة.

من مبدأ الاعدام نفسه. بل من مبدأ تدشين لحظة تأسيسية في التاريخ الوطني، طي مرحلة قديمة على مشهد خلفيتُه اعدام رمز المرحلة السابقة. لا ليس كل هذا وارداً. الحكومة العراقية والاميركيون مستعجلون وغارقون في بحر البربرية. وليس في اجندتهم الآن إعادة النظر بالاعدام، وهو من نوع البربريات «المحصورة».

اما المثير، والمضحك احياناً، بالمناسبة، هو ردّة فعل بعض الناشطين من بيننا في حقوق الانسان. فكما يحصل مع نظرية المؤامرة (انا ضد النظرية... ولكن هذه المرة اسمحوا لي...)، كذلك يحصل مع الذين هم من حيث الدور، حماة حقوق الانسان. ماذا قالوا؟ وبعضهم «رؤساء» جمعياتهم؟ واحد قال: «انا شخصيا رئيس... وهي منظمة تناهض الاعدام (...) اما من الناحية الشخصية، لقد كان النبأ بالنسبة لي ساراً جداً لأن صدام.....». واحد آخر: «من حيث المبدأ انا ضد الاعدام كفكرة. وكنت اريد له ان يرمى بسجنه (...) ولكن من حيث التحليل كان يجب اعدام صدام بسبب الوضع (...) وما سبّبه للعراق».

محاكمة وإعدام ثأريان: ثم يأتي بعد ذلك رئيس الحكومة، نوري المالكي، ليقول ان «المطلوب الآن ازالة الطابع الطائفي للسلطة»! ويستغرب مشاعر السنة المتأذية، وكأنه هو ايضا... زعيم علماني... في صراع علماني! كأنه وضع على رأسه، هو الآخر، قبعة الإخفاء! (مفاجآءت البراءة المذهبية المستنكرة هذه مثل «مفاجأة» قناة «المنار» من صعود المذهبية في لبنان... كم نشبه بعضنا!).

الاميركيون لم يكونوا اقل شبْهة. رغم «مفاجأة» السفير الاميركي في العراق، زلماي خليل زاد... بالتسرع، وقوله بعد تنفيذ الاعدام بانه طلب من رئيس الوزراء العراقي تأجيل التنفيذ اسبوعين.... لعل ماذا يحصل؟ هنا ايضا؟! الاميركيون منحوا الحكومة العراقية قوة الدفع الاساسية التي تمكّنها من الثأر من صدام بالروحية التي تتمتع بها. حيز من حرية اختيار اي يوم من بين ثلاثين يوما لتنفيذ الحكم...

ردة فعل الرئيس الاميركي جورج بوش على الاعدام كانت انه «يفتح مرحلة مهمة في الطريق نحو الديموقراطية». مستندا ربما الى روايته الخاصة لإعدام الطغاة. لا يهم ان يكون بوش يعني ما يقول، او يصدقه. ففي النهاية، قد يكون بصدد إشراك جيران العراق «بطريقة بناءة» من اجل الخروج من المستنقع العراقي بحسب توصيات لجنة بايكر-هاملتون حول العراق.

احد اقوى هؤلاء الجيران ايران. وقد عبرت عن فرحتها الشديدة بإعدام صدام، ورأت في العملية تنفيذا لـ «عدالة الهية» (هاشمي رفسنجاني)، على نفس وزن «النصر الالهي» العتيد. عدالة ايران الالهية تجعلها تتحمّس لنقيضين: إعدام صدام حسين، وتعطيل المحاكمة الدولية للجرائم الارهابية التي حصلت في لبنان! يا لها من عدالة أخلاقية! مثلها مثل الاميركيين، تكيل بمكيالين!

والحكومة العراقية ليست اميركية فحسب، انها ايرانية ايضا... مخترقة من قبل ايران. الشواهد على ذلك فائضة. لكن اكثرها فظاظة كان تواجد الجماعة الميليشياوية الاقرب الى ايران الآن، أي ميليشيا مقتدى الصدر، بل تفرّد هذه الميليشيا على مسرح الاعدام، تهلل للثأر وللتشفي. والاسوأ طبعا ان وقائع التشفي هذه تسرّبت الى الناس.

اسرائيل اخيراً، آخر المهلّلين لإعدام صدام حسين. وعلى كافة جرائمه، بلسان شمعون بيريز. مع لائحة الجرائم الصدامية الطويلة.

الآن اليس غريباً ان يكون هناك موقفان من عملية الاعدام: مؤيد وشاعر بالظفر، أي اميركا واسرائيل وايران، والآخرون من بيننا، الذين هم ما بين متألم ومفجوع ومتوجس ومستحٍ وفاتح ابواب مجالس عزاء؟ بين من يدعي انها مرحلة تأسيسية جديدة مشرقة ويعمل في آن على إذكاء شرورها والانخراط بما ينذر بالمزيد؟ وبين مندّد وبكّاء ومستنكر على فقدان الديكتاتور. وهذا الدور الاخير لا يقلّ نبلا واشراقا عن ادوار الاقوياء. الجدد والقدماء.

الارجح اننا فعلا بصدد مرحلة جديدة. مرحلة الشرين الكبيرين: محور شر يرمي على غيره صفة الشر المطلق (أميركا-اسرائيل). ومحور شر آخر يرمي على غيره صفة الشر المطلق (ايران): مرحلة النزاع الايراني-الاميركي (معطوفا عليه الاسرائيلي) والعضّ على الاصابع داخل الساحة العراقية نفسها. ها قد دخلنا، ربما، مع اعدام صدام حسين مرحلة «الهجوم الديبلوماسي على الجيران» (تقرير بايكر-هاملتون)، وحصر الصراع العنفي داخل حدود الساحة العراقية. صراع ديبلوماسي بين محورَي الشر فوق جثث العراقيين.

مرحلة الانتقال الى صراع الاستكبارين، الايراني والاميركي-الاسرائيلي الى العراق، او الى اية بقعة تفتح ذراعيها للفتنة والانكسار الوطني بأوهام «ممانعة» وغالبة في آن... وعلى ظهر تلال من الجثث وانهار الدماء. وكلما اشتدّ هذا الصراع، طولبنا بالاختيار: بين المحورَين: الاميركي-الاسرائيلي او الايراني («السوري» يأتي بالاستلحاق، وبحسب المنطقة التي نحن بصددها)... إما هذه او تلك. ولا وجود لك خارج الاثنين، لا صفة، لا مكان.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group