امرأة في الرئاسة: ثورة ثانية في فرنسا
محمد الحداد الحياة - 14/01/07//
لديّ رغبة جامحة في أن أحوّل وجهة نظري عن العراق وفلسطين ولبنان وإيران وكل القضايا الخاسرة التي خسرنا حياتنا في متابعتها والنضال من أجلها. أودّ لو أجد في السياسة العالميّة شيئا يبعث على الأمل والتفاؤل ويشعر ببعض البهجة ونحن نستقبل سنة جديدة.
الفضائيّات الإخباريّة لا تنقل لنا إلا صور الدمار والقتل في كلّ مكان، وليست هي طبعا المسؤولة عن ذلك، ولكن المسؤول هو هذا النظام العالمي الجديد الذي تحوّل إلى فوضى عالميّة شاملة. سقطت الامبراطوريّات فانفجرت في كلّ مكان فتن ملوك الطوائف. وسقط «الدكاترة» الكبار فاستبدلوا بعشرات من «الدكاترة» الصغار الذين يمارسون الزعامة في مستوى الأحياء والمقاطعات. وانتهت الحرب الباردة وشبح الحرب النوويّة الشاملة لتحلّ محلّها الحرب الساخنة ووقائع الإرهاب اليوميّة. والفضائيات تجارة رابحة تقوم على أشلاء الموتى والمنكوبين، وقد صرنا نستهلك جميعا جرعات يوميّة من العنف نحتسيها مع قهوة الصباح وحساء العشاء.
أمنّي نفسي بأنّ الانتخابات الفرنسيّة التي لم يعد يفصلنا عنها إلاّ ثلاثة شهور قد تكون حدثا جديدا ومفرحا. فهناك امرأة تهيئها استطلاعات الرأي حاليّا لتكون الأوفر حظّا للوصول إلى منصب الرئاسة. وإذا تحقّق هذا التنبؤ فسيكون ثورة ثانية بعد الثورة الفرنسيّة الأولى، إذ لم يسبق في بلد اوروبي ذي خلفيّة ثقافيّة كاثوليكيّة أن سمح لامرأة بأن تبلغ المنصب الأعلى في قيادة البلد. والأهمّ أنّ السيّدة سيغولين رويال ليست من صنف النساء المترجّلات بل هي امرأة جميلة حقّا ومعتزّة بأنوثتها. وقد بدأت حملتها الانتخابيّة بمواجهة موجات الاستهزاء والتجاهل، وكان أهل بيتها من الاشتراكيّين أوّل من سخر من قلّة خبرتها في السياسة وخفّة روحها التي لا تطابق الرصانة المعهودة لدى محترفي السياسة. وفي المرّة الأولى التي واجهت جمهور الناخبين الاشتراكيّين قوبلت بالصراخ والصفير في محاولة لمنعها عن الكلام. لكنّها اليوم المرشّحة الاشتراكيّة الرسميّة لرئاسة فرنسا وهي التي تحظى بالسبق في استطلاعات الرأي الحاليّة. وستواجه المفاجأة الثانية للانتخابات الفرنسيّة وهي الوزير الشاب نيكولا ساركوزي الذي قال عنه رئيس الوزراء السابق الان جوبييه إنّه السياسي ذو السراويل القصيرة، في إشارة إلى حداثة سنّه بالمقارنة بمنصب الرئاسة الذي يتولاّه في العادة الشيوخ. ولكن سنّة التغيير تغلبت على نزعات المحافظة لدى اليمين الفرنسي كما لدى اليسار. وستحكم فرنسا إحدى المفاجأتين، مفاجأة المرأة التي تحدّت الرجال ومفاجأة الشاب الذي تحدّى الشيوخ.
هذا شأن المجتمعات المتقدّمة التي تتّجه دائما إلى الأمام وإلى التغيير. فالسياسة كما تمارس في المجتمعات الراقية تحمل دائما الإمكانات الجديدة وتفتح المجال لتفتق المواهب وتسمح للأفكار الخلاقة بالانفجار. أما السياسة عندنا فملل وضجر ومعاناة نفسيّة لمن يتابعها فضلا عمن يمارسها. زعماء الحكم والمعارضة لا يتغيّرون والأيديولوجيات السياسيّة لا تتزحزح ولغة الجدل السياسي فقيرة بائسة والويل كل الويل لمن رام تقديم جديد أو حاول الخروج عن الصفّ أو ضبط متلبّسا بحالة حلم شاعري بالمستقبل. ومنذ القرن الحادي عشر (الخامس للهجرة) اشتكى الشاعر المعرّي من كلم يقال على المنابر دائما وتساءل: أفلا يميد المنبر؟ لكنّ الكلام نفسه تواصل والمنبر ظلّ شامخا لا يميد.
في فرنسا امرأة جميلة وشاب وسيم يتنافسان على الرئاسة ويوزّعان الحلم على المواطنين. هكذا يهتمّ الناس بالشأن العام عندما يشعرون بأنّ شيئا ولو يسيرا من اليومي سوف يتغيّر وأن نسمات التجديد ولو متواضعة سوف تهبّ. وقد تصل السيدة رويال إلى منصب الرئاسة في فرنسا، مع أنّه كان يقال سابقا أنّ من المستحيل أن تحكم فرنسا امرأة أو أن يحكم الولايات المتحدة رجل أسود البشرة. لكنّ هذا أصبح من قبيل الممكنات في فرنسا وكاد يصبح ممكنا في الولايات المتحدة لو كانت لكولن باول جرأة رويال فنافس بوش في ولايته الثانية وأراح العالم من عبء سياساته الفاشلة.
وفي فلسطين امرأة تتمتّع بصيت عالمي كبير كان يمكن أن يوظّف لصالح القضيّة، لكن لا أحد يحلم في أن تصل يوما الدكتورة حنان عشرواي إلى أكثر من نائبة في المجلس التشريعي. وفي لبنان ينتقدون يوميّا رئيس الوزراء السنيورة بسبب دموعه في اجتماع القمّة العربيّة، لأنّ المخيّل الذكوري يجعل البكاء من شيم النساء. كما يبدو جليّا أنّ قاعدة الخلافة الذكريّة هي التي منعت بهيّة الحريري من خلافة الشهيد رفيق الحريري وفرضت الابن وهو الأقلّ تمرّسا بغمار السياسة.
وفي العراق يبدو أنّ الاسم النسائي الأكثر تردّدا بين السياسيين هو عائشة ومعركة الجمل وحكايات ثأر متوارثة منذ العصور الغابرة ما زالت تحدّد المواقف والتحالفات رغم الثورة الصناعيّة واكتشاف القارة الجديدة ودخولنا عصر المعلوماتيّة.
|