موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 02:43 GMT - 2008/07/04

حال الطقس في 101 مدينة







العرب محاصرون بين مشروعين فيما يحتدم الصراع على الشرق الأوسط

وحيد عبد المجيد     الحياة     - 28/01/07//

ما أصعب وضع المعتدلين العرب في ظل صراع يتصاعد بين المشروع الأميركي لشرق أوسط «جديد» والمشروع الإيراني لشرق أوسط «إسلامي». فهذا صراع تدور رحاه في المنطقة التي يشغلون فيها مساحة كبيرة. وتبدو دولهم وشعوبهم هي الجائزة الكبرى فيه. إنه صراع عليهم يهدف أحد طرفيه إلى إدراجهم في منظومته وضمان دعمهم لخططه، فيما يرمي الآخر إلى تغيير سياساتهم في اتجاهات تنسجم مع راديكاليته أو استبدال من يمكن تغييره منهم.

لذلك فحين قصدتهم وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، في جولتها الثامنة على المنطقة، للحصول على دعمهم لاستراتيجية رئيسها «الجديدة» في العراق، كان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية على خامنئي يحذرهم من «الفخ الذي تنصبه الولايات المتحدة التي تريد إنشاء جبهة ضد إيران مع بعض الدول العربية». ودعا خامنئي حكومات هذه الدول إلى (الاعتماد على نفوذ إيران الكبير) مبشرا بأنها إذا فعلت «لن تضطر بعد الآن إلى القبول بالابتزاز»!

غير أن مشكلة المشاكل بالنسبة إلى هذه الحكومات، وإلى العرب المعتدلين بوجه عام، هي في عدم امكان الالتحاق بأي من المشروعين الإيراني والأميركي، وفي عدم القدرة حتى الآن على تقديم مشروع ثالث مستقل عنهما يستند على إنجاز اقتصادي وانفتاح سياسي وثقافي وازدهار مجتمعي.

وهذا هو جوهر المأزق الذي يجد العرب المعتدلون أنفسهم فيه بين مشروعين يمثل كل منهما خطرا ليس فقط عليهم، ولكن أيضا على المنطقة في مجملها، وإن اختلف نوع هذا الخطر ومداه. فهم يفتقدون مشروعهم، بالرغم من كل ما يمتلكونه من إمكانات، على نحو يضعف قدرتهم على حماية استقلالهم عن المشروعين اللذين يستهدفانهم. ولا يعود ذلك فقط إلى جموح كل من هذين المشروعين، ولكن أيضا إلى قصور أداء معظم الحكومات العربية المعتدلة داخليا وخارجيا. فكثيرة هي الأخطاء التي نجمت عن هذا القصور. وآخرها حتى الآن الخطأ في حساب حجم ونوع الخطر الذي ينطوي عليه كل من المشروعين الأميركي والإيراني، ما يؤدي إلى تباين في المسافة تجاه كل منهما.

فلم يحتفظ المعتدلون العرب في معظمهم بمسافة متساوية فعليا بين المشروعين. فعلى رغم اقتناعهم بعدم وجود خير في أي منهما، تأثر موقعهم بينهما بصداقتهم لواشنطن على رغم الاهتزاز الذي أصاب هذه الصداقة من جراء المشروع الأميركي لنشر الديموقراطية في المنطقة بما ينطوي عليه من تدخل في شؤون بعض الدول المعتدلة. فقد تراجعت ثقة هذه الدول في «الصديق» الذي بدا عقب غزو العراق مباشرة متجها إلى الانقلاب عليها. وأصبح من الصعب إعادة هذه الثقة إلى ما كانت عليه بالرغم من فشل مشروع نشر الديموقراطية وتخلي إدارة بوش - فعليا وليس خطابيا - عمّا كانت تلك الدول تعتبره خطرا عليها. ومع ذلك يبدو معظم المعتدلين العرب الآن على مسافة غير متساوية بين إيران وأميركا. فنفوذ طهران الإقليمي يردعهم أكثر في اللحظة الراهنة تحديدا، بعد أن كانت غطرسة «المحافظين الجدد» في واشنطن تخيفهم أكثر في الفترة من 2003 إلى 2005. ووضحت معالم ذلك النفوذ بعد انهيار الحاجز العراقي أمامه، وأضحى اقتراب إيران من القوة النووية هو المصدر الأول للقلق بعد أن كانت سياسة عدم الاستقرار البناء (أو الفوضى البناءة حسب الترجمة العربية الشائعة) هي مصدره الأهم.

لم يزل خطر المشروع الأميركي وارداً لدى المعتدلين العرب بطبيعة الحال. لكن ازداد قلقهم من المشروع الإيراني على نحو أثر في موقعهم وأغرى واشنطن بالسعي إلى إدماجهم في مشروعها، وهو ما لا يمكن أن يقبله معظمهم على الأقل بالرغم من وجود انطباع شائع بأن لقائي وزيرة الخارجية الأميركية مع نظرائها في دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن في جولتيها الأخيرتين بمثابة تدشين لهذا الإدماج.

ونسمع، ونقرأ، الآن ما يفيد ذلك في خطاب بعض أنصار المشروع الإيراني أو ناقدي الدول العربية المعتدلة، سواء كانوا مقتنعين باندماجها في المشروع الأميركي حقا أو راغبين فقط في أي ذريعة للهجوم عليها والإمعان في تشويه صورتها. لكن بعيدا عن هذا الخطاب، تبدو مشكلة المعتدلين العرب في غياب مشروع لهم وليس في التحاقهم بالمشروع الأميركي. فهذا الالتحاق صعب على معظمهم لأنه يتعارض مع مصالحهم من حيث يؤدي إلى استقطاب حاد يجعل تصاعد الصراع بين المشروعين مفضياً على الأرجح إلى حرب مدمرة سيكونون أهم أكثر الخاسرين من جرائها.

ولذلك سمعت الوزيرة الأميركية مرارا في جولتها الأخيرة نصحا بضرورة فتح حوار مع سورية وإيران. وسبق ذلك بأيام قليلة، إعلان وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، خلال زيارته إلى طهران، أن بلاده لا تسمح لأحد باستخدام أراضيها ضد إيران. وهنا، تتقاطع مشكلة العرب المعتدلين الذين لا مصلحة لهم في الالتحاق بمشروع أميركي يخشون تداعياته عليهم مع مشكلة أصحاب هذا المشروع الذين يتعذر عليهم تحويله إلى تحالف على الأرض، بخلاف المشروع الإيراني. فثمة عوائق يصعب إزالتها تحول دون قبول معظم المعتدلين العرب المشروع الأميركي. وفضلا عن العائق الذاتي لديهم والمتعلق بعدم وضوح آفاق هذا المشروع حال انتصاره، وسوء سمعة السياسة الأميركية على نحو «يحرق» كل من يرتبط بها، ثمة عائق موضوعي أساسي يرتبط بالتطابق الأميركي - الإسرائيلي. فهذا التطابق يصم كل من يلتحق بمشروع واشنطن بالوصمة الإسرائيلية التي يصعب محوها من دون حل قضية فلسطين. وهذا حل غير وارد لسنوات طويلة مقبلة.

لذلك يتعذر على واشنطن إسناد مشروعها بتحالف على الأرض في غياب حلفاء يُعتد بهم. وقد لا تكون مصادفة أن أهم حلفائها في العراق، وفي المنطقة، هم حلفاء لإيران في الوقت نفسه. وهي لا تستطيع ضمان موقفهم حال تصاعد الصراع، وخصوصا إذا وصل إلى صدام عسكري بشكل ما. فالأرجح، إن لم يكن الأكيد، أن منابعهم الأصولية الشيعية هي التي ستحدد موقفهم في هذه المرحلة المتقدمة للصراع بين المشروعين.

وإذ نلتفت شرقا وغربا، يصعب العثور على حلفاء آخرين (بالمعنى الدقيق لمفهوم التحالف) لواشنطن. ربما كانت حكومة الصومال «الدُمية» حليفا بهذا المعنى، ولكن في القرن الأفريقي وليس في منطقة الصراع بين المشروعين والتي تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. وفي هذه المنطقة، قد لا نجد حلفاء لها غير بعض جماعات تحالف 14 آذار في لبنان وبعض أمراء «حركة فتح» في غزة. ويختلف ذلك عن المشروع الإيراني الذي يستند على تحالف يبدو ضيقا الآن لكنه يتسم بالصلابة والقابلية للتوسع إذا بقي المعتدلون العرب على حالهم بلا مشروع يمكّنهم من أن يكونوا قوة مؤثرة في كل من أميركا وإيران اللتين تتنافسان للتأثير فيهم وتسعيان إلى تشكيل مواقفهم واتجاهاتهم وتخترقان بلادهم ومجتمعاتهم. ولا سبيل إلى ذلك في الأمد القريب إذا ظل المعتدلون العرب في موقع رد الفعل يديرون أمورهم يوما بيوم من دون رؤية أبعد وفي غياب تخطيط استراتيجي منسق بقدر الإمكان. فهم، في وضعهم هذا، مطمع لقوتين يغريهما جمودهم واستكانتهم واستهانتهم بالأخطار المحدقة بهم.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group