دارفور - غزّة... ويتواصل الكيل بالمكيالين
محمد الحداد الحياة - 11/03/07//
بدأت ولاية الأمين العام الجديد للأمم المتحدة بملف ساخن هو ملفّ دارفور، ومن المرجّح أن قوّات مسلّحة ستحلّ عاجلاً أم آجلاً في أرض السودان بقيادة وتوجيه جهات غربيّة تعمل تحت غطاء شرعيّة القرارات الدوليّة، وسوف يصبح السودان، بعد العراق ولبنان، رهينة تجاذب دولي تتقلّص فيه السيادة الوطنيّة وقد يمضي الأمر إلى أبعد من ذلك.
وإذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية إنسانيّة بحتة وخارج موجبــات السيادة الوطنيّة التي تفرضها الحكومات والدول عــــلى أراضيها فقد يبدو أن للأمر بعض ما يبرّره. فدارفور قضيّة متواصلة منذ سنة 2003، استمرّت المواجهات العنيفة والمعقّدة بين جهات متداخلة وانتهت إلى حصيلة مرعبة: حوالى 300 ألف قتيل ومليونين ونصف المليون من البشر المهجّرين. الجزء الأكبر من سكّان الإقليم يعيش في مخيّمات لا يتوافر فيها الحدّ الأدنى من الكرامة البشريّة لأنّ المساعدات التي تقدّمها هيئات الإغاثة والمنظمات الإنسانيّة غير قادرة في غالب الأحيان على أن تصل إلى مناطق تجمع بين الطبيعة القاسية والأوضاع الأمنيّة الخطيرة. والسودان يعيش هذا النوع من المآسي الإنسانيّة منذ عشرات السنين، لكنّ مشكلة دارفور قد تكون محطّة مختلفة. فهي معروضة للرأي العام الغربي بكثير من التشويه، إذ فيما تبدو صراعاً بين الحكومة العربيــّة ذات التوجّه الإسلامي والقبائل الافريقيّة، هي في الواقع أعقد من ذلك بكثير. فالمتمرّدون بعضهم عرب وبعضهم من غير العرب، بعضهم من المزارعين وبعضهم من الرحّل، وبعضهم مسلم والبعض غير مسلم، والمنازعات بين المتمردين لا تقلّ حدّة عن نزاعاتهم مع حكومة الخرطوم المركزيّة، هذه الحكومة التي تأمل بأن تحلّ مشكلة دارفور بالصيغة التي حلّت بها مشكلة الجنوب، لكنّها لا تجد السبيل إلى ذلك. والقوى الغربيّة تعتبر تقصيرها دليلاً على ضرورة التدخّل الأجنبي، والسودان يرى أن تدخّل القوى الغربيّة هو الذي حال دون إيجاد مخرج للقضيّة. والسبعة آلاف جندي من القوّة الأفريقيّة المتواجدون اليوم لا حول لهم ولا قوّة. لكن استبدالهم بقوّات دوليّة فاعلة قد يؤدّي إلى مضاعفة هذا العدد أضعافاً كثيرة، فيصبح الوجود الأجنبي في أرض السودان القاعدة لا الاستثناء ويتوسّع إلى أكثر من منطقة لأنّ الرغبات الانفصاليّة كثيرة ومتنوّعة.
لكن إذا كان الشعور الإنساني بالشفقة هو الذي يدفع الجهد الدولي الى إنقاذ الإقليم المنكوب وأهله المشرّدين، وإذا كان الإجماع قائماً على أنّ الضحايا لا يتحمّلون عواقب القرارات التي يتخذها قادتهم ولا يحاسبون على ما تقترفه المجموعات المتناحرة داخل الحركة الانفصاليّة الواحدة وبينها وبين الحكومة المركزيّة، فللمرء أن يتساءل لماذا لا ينسحب هذا الحسّ الإنساني المرهف على قطاع غزّة وسكانه من الفلسطينيّين؟ فهنا أيضاً موعد للمأساة، إذ يحاصر مليون وأربعمائة ألف شخص في رقعة ضيّقة (380 كلم مربع) ولا يسمح لهم بالسفر والتنقّل في أيّ اتجاه، ولا يتوفّر لهم العلاج اللائق ولا العمل اليومي، وهم محرومون منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات من الإعانات الدوليّة التي كانت سندهم الرئيس لتحصيل القوت. يضاف إلى ذلك القصف الإسرائيلي شبه اليومي، قصف على رؤوس المدنيّين والأطفال، وصواريخ تستهدف نشطاء «حماس» فتصيب منهم القليل لكنّها تقتل المئات ممن شاءت الأقدار أن يوجدوا في المكان غير المناسب. ومع أنّ نسبة الأميّة في غزّة هي من أرفع النسب في المنطقة كلّها فإنّ 70 في المئة من أبنائها عاطلون عن العمل، وجزء كبير من العاملين هم من موظفي القطاع العام وقد توقّف صرف رواتبهم منذ ستة أشهر. أمّا منظمات الإغاثة فقد أعلنت منذ فترة طويلة أنّها لم تعد قادرة على التحكّم في الوضع في ظل وجود ثلثين من السكان يعيشون تحت خطّ الفقر، والعديد من المتطوّعين ذهب ضحيّة الوضع الأمني المتفجّر. وإسرائيل ترفض تسليم مستحقّات تتجاوز 400 مليون دولار وتفرض على الفلسطينيّين أن يدفعوا ثمن الكهرباء بعد أن قصفت وأتلفت محطّة التوليد الفلسطينيّة في غزّة.
لماذا لا نرى الحماسة نفسها لحلّ قضيّة غزّة، ولماذا لا يتدخّل المجتمع الدولي على الأقلّ بمراقبين ليخفّف من مأساة المدنيّين؟ ولماذا لا ينشط مجلس الأمن للتفكير في القضيّة وإدانة المعتدين والتوسّط بين المتنازعين؟ لماذا يسكت العالم على وضع يُحرم فيه الأطفال من الحليب والدواء؟
إنّهــا سياسة الكيــل بالمكيالين التي ترفع عن القضايا النبيلة شرعيّتها لأنّ أخرى من نوعها لا تحظى بمشاعر النبل من أحد.
|