في صدد تلك الجملة غير القابلة للصرف: «المس بسمعة البلاد»!
نهلة الشهال الحياة - 29/04/07//
منذ أيام، صدر في سورية حكم بالسجن لمدة خمس سنوات على المحامي أنور البني، وأعلن أن الحيثية هي «المس بسمعة البلاد». وفي السياق ذاته، وبالقياس على ما صدر، وفي مقابلة تلفزيونية، قال محامي السيد البني، وهو أيضا من يتولى الدفاع عن الأستاذ ميشال كيلو، إن هذا الأخير يواجه خطر الحكم عليه بالإعدام! وبذا يصل الموقف إلى مشارف كاريكاتورية.
قد يكون من الصعب تماما التعامل بجدية مع مثل هذه المعطيات، بل يفرض نفسه بقوة الميل إلى مجابهتها بالسخرية. إلا أن مآل المصير الشخصي لكل واحد من هؤلاء المعتقلين، ومعاناتهم هم وعائلاتهم، يردعنا عن ذلك، أو عن الاكتفاء بالسخرية، وهي هنا محقة ومشروعة. فالمشكلة ان ثمة عشرات من السوريين الذين امضوا عددا مخيفا من سنوات عمرهم في المعتقلات لتُهم من هذا القبيل، وهم حين خرجوا أخيرا كانت حيواتهم وحيوات عائلاتهم قد اكتمل دمارها، وهذا حقا إعدام وليس أقل من ذلك.
ثم ان الاعتقال بناء على تهم من هذا القبيل، وتثبيت جرمية هذه التهم في المحاكم بقصد نزع الصفة الاعتباطية عن الاعتقال، هما أيضاً أمر خطير. فالغلاف القانوني المزعوم والمستخدم هنا على هذه الشاكلة، يشوه أحد ابرز ركائز ضبط الصراع الاجتماعي، أي وجود مؤسسات تلعب دور المنظم لذلك الصراع بحيث تجنبه السقوط في العنف العاري والمباشر. وهذا هو تعريفاً دور القانون والقضاء المستقل. وهو وإن كان يحكم وفق منطق السلطة القائمة، إلا أن وظيفته ليست فحسب، ولا بالأساس، تبرير أفعالها، وخصوصا بطريقة شكلية، بل إنشاء فسحة من «التبريد» تلزمها بأصول تكبح ميلها الى النزق الذي يولده كل اعتداد بالقوة، كما تعلن الخطوط الحمراء لمناهضيها. وهو ما يفترض أيضا، وحكما، أن تكون هذه الخطوط متعددة الدرجات. أما أن تستقبل المحاكم ملفات عناوينها «المس بسمعة البلاد»، وأن ترتضي لعب دورها شكليا، فتتفحصها ثم تصدر أحكاما لا يوجد لها سند قانوني في المنطق العام للقانون، فانتهاك مضاعف يعزز الصفة الاعتباطية لذلك الاعتقال.
ومن جهة أخرى، فإحالة الناس إلى العجز عن القيام بأي شيء في مواجهة هذا النوع من الممارسات، يشكل هو الآخر مصدرا للخطر على المجتمع، كما على أية سلطة قائمة تلجأ إلى أسلوب «بلّط البحر» هذا. فالاحتجاج لم يهدأ على الاعتقال التعسفي للمحامي البني ولميشال كيلو ورفاقهما، وقبله على استمرار الاعتقال التعسفي للدكتور عارف دليلة، معطوفا على تشدد كيدي بحقه، معيب حقاً. وهو يأتي من داخل سورية، مما يعني مجازفة بطولية للقائمين به، كما يأتي من الخارج حيث لم تتبق منظمة حقوق إنسان عالمية ولا تجمع مثقفين أو مناضلين في المنطقة العربية وفي العالم، إلا أعلن عن احتجاجه على اعتقال هؤلاء، وعلى اللجوء إلى قوانين الطوارئ الأبدية. وكلما ازدادت تلك المواقف سطوعا وقوة في التعبير عن نفسها، ازداد تترّس السلطة خلف العناد، على أساس منطق «حاراتي» يخشى من فقدان الهيبة إن تراجعت، ومن استضعافها.
وأخيراً، يخرج تبرير جديد، أو هكذا يبدو، يحاول الربط بين موجة القمع المتجددة هذه، والتفات القيادة السورية إلى الوضع الداخلي واعتباره أولوية. ويمثل هذا الصعيد من الموضوع اخطر أوجه الموقف، لأنه يفترض أن تمكين ما يقال له الجبهة الداخلية، يتحقق عبر إلقاء القبض على كل إيقاع متفلت وكتم أنفاسه. والحق أن المنطق المتحكم بهذا السلوك يؤدي، وبأقصر السبل، إلى تشريع أبواب البلاد أمام مضاعفة تأثير التدخل الأجنبي بكل أشكاله، والذي يرتدي حينذاك لباس خشبة الخلاص الوحيدة الممكنة أو المتبقية. فإن كانت القيادة السورية تتهيأ لمعركة مديدة مع الهجوم الأميركي، القابل للتحول في أي لحظة الى عدوان عسكري متعدد الأشكال والسيناريوهات، فمن باب أولى أن تضع في رأس مهماتها إقامة جبهة داخلية تتسع لكل من يريد خوض تلك المجابهة، ولكنه لا «يبصم» للسلطة لا في ملف أساليب المواجهة ولا في سائر الملفات.
وليست تلك مناشدة أخلاقية تبشر بالانفتاح وممارسة رحابة الصدر، بل هي دعوة سياسية إلى إعلان الطوارئ في البلاد، ليس كما هي معلنة، أي في ظل الاستئثار بالسلطة وتشديد القبضة القمعية، وإنما كفعل يدعو المجتمع إلى اخذ مكانته في تلك المجابهة، ويبدي استعدادا للتأقلم مع متطلبات مثل هذه العملية، وفي مقدمتها التخلي عن جزء من السلطة. وأول مظاهر هذا التخلي هو إلغاء قانون الطوارئ المطبق منذ 1963، بلا كلل ولا توقف، وثانيها دعوة المعارضين الوطنيين إلى احتلال مواقعهم في مراكز القرار. نعم، فمكان ميشال كيلو هو في منصب وزاري فاعل، وفي وزارة فاعلة وذات صلاحيات، وكذلك عارف دليلة! فإن كان ثمة مواجهة شاملة قادمة، أو حتى نية في تمكين المستوى الراهن من المواجهة من الاستمرار، فتلك بعض وسائل النجاح في خوضها، وتلك بعض الإشارات التي لا بد من إرسالها كوعد بالمزيد لاحقاً، سيما وان البنية العامة للسلطة موغلة في ما لا يحفز احداً على تصديقها أو الثقة بوعودها أو بخطابها، وهي تحتاج لوسائط وعلامات فعلية من هذا القبيل... هذا قبل أن يطغى حقد الناس المشروع بسبب عذاباتهم، ويأسهم، على حسهم الوطني السليم!
|