... عن التيارات الإسلامية والعمال: توجهات جديدة؟
وليد محمود عبد الناصر الحياة - 13/05/07//
إذا كانت الأيام القليلة الماضية قد شهدت احتفالات عبر العالم بعيد العمال، ربما باستثناء الولايات المتحدة الأميركية التي تنفرد بالاحتفال بهذه المناسبة في أيلول (سبتمبر) من كل عام، فإن الفترة الماضية شهدت بدورها اتجاهاً لافتاً للنظر وجديراً بالدراسة والرصد، إذ لاحظنا فيها اهتماماً فوق العادة من جانب العديد من التيارات الإسلامية في الدول العربية بقضايا الطبقة العاملة في تلك الدول. والأمر لافت للنظر لأنه عكس توجهاً جديداً لدى التيارات الإسلامية في المنطقة العربية، وهى تيارات كانت تقليدياً ترفض الحديث عن مطالب فئوية للعمال وترى في الحديث عن «نضالات نقابية» للطبقة العاملة العربية ترديداً لشعارات شيوعية و»تفتيتاً لوحدة الأمة الإسلامية» على أسس طبقية «مستوردة» من الغرب بمعناه الحضاري العام لدى تلك التيارات، أى الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي السابق معاً.
وهناك العديد من الأمثلة التاريخية التى يمكن الإشارة إليها في هذا الإطار، وذلك في عدد من الدول العربية والإسلامية، منها على سبيل المثال لا الحصر، موقف جماعة الإخوان المسلمين في مصر المناهض للجان الوطنية للطلبة والعمال في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ثم معارضة الجماعات الإسلامية في الجامعات المصرية لجهود إحياء تلك اللجان في عهد الرئيس الراحل السادات في سبعينات القرن العشرين. ومثال آخر يحضرنا في العالم العربي هو الخاص بجهود حركة «المحرومين» ثم حركة «أمل» وحزب الله في لبنان لتجميع الشيعة في إطار واحد يبعد قطاعات من شيعة لبنان المنتمين للطبقة العاملة عن انتمائهم لفئات اليسار اللبناني وللحركة النقابية العمالية اللبنانية، وهو الأمر الذى كان غالباً لدى فقراء الشيعة في لبنان حتى منتصف السبعينات من القرن العشرين. والمثال الثالث الذى نشير إليه هنا هو سعي تيارات إسلامية يمنية – خاصة عقب الوحدة اليمنية عام 1990 – إلى تحويل الوعي الطبقي لدى العمال في اليمن، خاصة في القسم الجنوبي منه، بعيداً عن انتماءاتهم الطبقية والسياسية التقليدية لليسار إلى فرز جديد على أساس ديني أو مذهبي. وهناك أيضاً خارج العالم العربي ولكن في دولة إسلامية مهمة، مثال مسعى الحزب الجمهوري الإسلامي الذي كان موجوداً وحاكماً في إيران في زمن آية الله الخمينى للتخلص من المجالس العمالية التى تأسست خلال وعقب الثورة الإيرانية لعام 1979 والتي كان يسيطر على معظمها حينذاك تنظيمات يسارية علمانية مثل «فدائيي خلق» وحزب تودة الشيوعي أو تنظيمات يسارية إسلامية مثل «مجاهدي خلق».
لكن الشهور الماضية شهدت تحركات ومواقف في اتجاه مختلف من جانب العديد من التيارات الإسلامية. فوجدنا التيارات الإسلامية في مصر – وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة رسمياً) – تناهض بقوة عملية الخصخصة للقطاع العام المصري، وتؤيد اعتصامات وإضرابات كانت تلك التيارات، حتى الماضي القريب، تراها مخلة بالاستقرار وضارة بمصالح الأمة، بل باتت تلك التيارات تشكك في شرعية النقابات العمالية الرسمية وتتبنى إنشاء نقابات موازية لها ومستقلة عنها. وانعكست هذه المواقف في تصريحات لنواب محسوبين على تلك التيارات في مجلس الشعب المصري. وقبل ذلك كان إعلان حزب الله في لبنان عن تضامنه مع مواقف الحركة العمالية في لبنان المعترضة على الخصخصة هناك من قبل الحكومة الحالية والمطالبة بحقوق وضمانات للطبقة العاملة اللبنانية. وهناك أمثلة أخرى مماثلة أو مشابهة يمكن الإشارة إليها في هذا السياق حدثت من جانب تيارات إسلامية في الأردن والمغرب وغيرهما من دول المنطقة.
ولكن لماذا جاءت هذه التحولات؟ وهل هي نتيجة مراجعات وتحولات فكرية حقيقية وعميقة مرت بها قناعات تلك التيارات الإسلامية؟ أم هي في الواقع ممارسة لتكتيك سياسي مرحلي يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية وقتية من خلال استغلال قضايا ساخنة وتوظيفها لتوسيع القاعدة الشعبية لتلك التيارات، خاصة في صفوف الطبقة العاملة؟
أياً كان السبب أو الأسباب، فإن هناك أكثر من عامل يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند تحليل وتقييم تلك التوجهات الجديدة نسبياً في إستراتيجية التيارات الإسلامية في المنطقة العربية في ظل تراكمات ممتدة زمنياً. وأول هذه العوامل الفراغ النسبي الذي أوجده تراجع تواجد اليسار العربي وانحسار نفوذ التيارات القومية والناصرية العربية، خاصة في صفوف الطبقة العاملة العربية، وهو فراغ بدأت التيارات الإسلامية الالتفات إليه والسعي لملئه ولو بشكل تدريجي أو جزئي منذ سنوات. أما العامل الثاني فيتعلق بحالة الاحتقان – الطبيعية والمتوقعة بطبيعة الحال – التي أوجدتها سياسات الخصخصة التي تُتبع على نطاق واسع في عدد ليس بالقليل من الدول العربية، في إطار حزمة الإصلاحات الاقتصادية المتبعة حالياً، في صفوف الطبقة العاملة التي ترى في موجة الخصخصة تلك افتئاتاً على حقوقها، كما تود أن تستغلها لتستقل بالحركة العمالية عن تأثير الحكومات. وفي هذه الأجواء انتهزت التيارات الإسلامية الفرصة لتوظيف حالة الاحتقان تلك لصالحها من خلال كسب أرضية على حساب الحكومات من جهة، ومن خلال إيجاد ساحة جديدة لإجراء اختبارات قوة بينها وبين الحكومات من جهة أخرى. أما العامل الثالث فهو إدراك بعض التيارات الإسلامية أن الاعتماد على الفئات الاجتماعية الوسطى ممن يسمون بـ «أصحاب الياقات البيضاء» لا يوفر حماية شعبية لازمة لتلك التيارات من تشديد الحكومات القبضة عليها، وبالتالي ربما كمن البديل في «أصحاب الياقات الزرقاء» الأكثر استعداداً للنزول إلى الشوارع والاعتصام والإضراب لتحقيق مطالبهم. وبذا قد تتبنى تلك التيارات مطالب العمال، حتى ولو مرحلياً، لكسب دعمهم لها وتحقيق اختراق في صفوفهم. أما العامل الرابع والأخير الذي يتعين أخذه في الحسبان فهو ذلك المتعلق بانتشار الثقافة الدينية التقليدية في صفوف الطبقة العاملة العربية، ربما في العقدين أو الثلاثة عقود الماضية، مما ساعد إلى درجة ما في توجيه التيارات الإسلامية إلى لعب ورقة المطالب الفئوية والنقابية للعمال في صراع تلك التيارات مع الحكومات من منطلق وحدة الخصم، ولو اختلفت الأولويات والتوجهات على المدى المتوسط أو البعيد بين التيارات الإسلامية والحركات العمالية.
|