موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 02:44 GMT - 2008/07/04

حال الطقس في 101 مدينة







لبنان «العراقي»

غسان شربل     الحياة     - 22/05/07//

أكتب وأتمنى أن أكون مخطئاً. وسيبهجني أن أكون. وأن تكذبني الأحداث. وأن يقال إنني تسرعت وبالغت. منذ أسابيع يراودني شعور غريب. أشم رائحة عراق جديد. هذه المرة على المتوسط. وأن مشروع عرقنة لبنان يتقدم بخطى ثابتة. وان سلوك السياسيين اللبنانيين، موالين ومعارضين، لا يرقى الى مستوى الأخطار المحدقة ببلادهم. أعرف أن الأمر لا يتعلق بهم وحدهم. وان تأسيس عراق آخر يحتاج الى متطوعين غير لبنانيين. وانا لا أشك لحظة أنهم سيسارعون الى نحر لبنان أو تشجيعه على الانتحار.   

ثمة تقليعة جديدة في هذه الأيام. كلما تشاجر رجل مع زوجته يسارعان الى اتهام «المحافظين الجدد» بتدبير مكيدة لإشاعة «الفوضى الخلاقة» في العش الزوجي. لا أبرئ «المحافظين الجدد» من أي تهمة. سياساتهم خرقاء وارتكاباتهم مريعة. لكنني أعتقد جازماً ان أبناء الوطن هم الأقدر على قتله. وان مجتمعاتنا تنام على مناجم مثقلة بثروات الكراهية والعنف والرغبة في شطب الآخر. وان الحرب الأهلية هي الزائر الاول، إن سقط النظام أو تفككت آلة القمع.

وتوخياً للدقة يجب الاعتراف بأن استباحة لبنان موضة قديمة. من لا يجرؤ على اقتناء سكين مطبخ في بلاده يتسلل الى بلاد الأرز ويقتني ترسانة عسكرية مرموقة. والويل للحكومة إن طالبته بمراعاة القانون. فهو يعتبر الجزيرة الأمنية على أرض لبنان ضرورة قومية. وغالباً ما يلحقها بفرع جبلي أي بجزيرة صيفية ليتفادى حرارة الساحل. عملية اغتصاب فاقعة لكرامة لبنان وسيادته. عملية احتقار فظة تحت تسميات كثيرة.

تعايش لبنان طويلا مع الاستباحات. لكن المسألة أشد خطورة هذه المرة. تهب الرياح العراقية والمشهد اللبناني مرعب. دستورية الحكومة موضع خلاف. المجلس النيابي تقاعد وأخذته الغفلة. رئيس الجمهورية لم تسعفه الظروف في تطبيق خطاب القسم. يحتاج الى تسع سنوات أخرى لتطبيق خطته الانقاذية. وهناك التداعيات التي لا طاقة للبلد على احتمالها. تداعيات اغتيال رفيق الحريري. وتداعيات ضياع الحقيقة أو اكتشافها. وتداعيات حرب تموز (يوليو). والتراجع غير المسبوق في العلاقات السنية - الشيعية. وأوضاع المخيمات التي تنذر بتحويل لبنان مصنعاً للمخيمات. فضلا عن الجزر الأمنية وما تخفيه في حناياها من شبكات قديمة وطازجة. وإذا أضفنا الى ما تقدم ذيول احتلال العراق والحروب الدائرة على أرضه ورياح الفتنة المذهبية نصبح أمام احتمالات عراقية بامتياز.

لا أحد يريد قيام عراق جديد في لبنان. هذا ما يقوله السياسيون. لكن كل شيء يوحي ان البلد ينزلق في هذا الاتجاه. فعلى رغم فداحة الأخطار تبقى القطيعة قائمة بين الموالاة والمعارضة. وبدلا من تبادل التنازلات لإغلاق النوافذ أمام العواصف المقتربة نشهد محاولات اصطياد في الأزمة. وليس سراً أن السماح بتآكل هيبة الدولة والجيش يعني عملياً فتح الباب لمنطق الدويلات والجيوش. منطق الفصائل والميليشيات واللجان الأمنية والحرائق الجوالة. مسؤولية الأكثرية كبيرة في هذا السياق. مسؤولية المعارضة كبيرة هي الأخرى.

ما شهده شمال لبنان اول من امس، وهو قد يكون أول الغيث، كان يستحق إسقاط المقاطعة بين القيادات على اختلاف انتماءاتها. يستحق بذل محاولة جديدة للتفاهم. على من يعتبرون أنفسهم قادة ان يتحركوا الآن وقبل فوات الآوان. تكفينا بغداد واحدة. ثم ما جدوى الرئاسة إن سقطت بيروت في الفتنة وتوزع دمها بين الاعظمية والكاظمية. متسرع من يتوهم كسباً من انهيار لبنان. كانت اسرائيل الرابح الكبير من لبننة العراق. ستكون أيضاً الرابح الكبير من قيام لبنان «العراقي». أكتب وأتمنى أن تكذب الأيام مخاوفي.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group