موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 03:20 GMT - 2008/05/13

حال الطقس في 101 مدينة







ألف وجه لألف عام - سيمفونية «جوبيتر» لموزارت: بين العاطفية المطلقة والهندسة المدهشة

ابراهيم العريس     الحياة     - 09/05/08//

موزارت
موزارت
في عام 1788، قبل وفاته بثلاث سنوات، كان موزارت في الثانية والثلاثين من عمره، مفلساً مريضاً يعيش هبوطاً مدهشاً في معنوياته، ويخيل اليه والى كثر من الذين يحيطون به، ان فنه لن تقوم له قائمة بعد اليوم. ومع هذا فاجأ العبقري الشاب أهله ومحبيه في صيف ذلك العام باشتغاله على ثلاث سيمفونيات أنجزها في وقت واحد، وخلال فترة زمنية لا تزيد على ستة أسابيع. وكان من بين هذه السيمفونيات، الأخيرة التي تحمل الرقم 41 بين أعماله من هذا النوع، وتعرف باسم «جوبيتر». واللافت هو أن هذه السيمفونية تعتبر الأقوى والأجمل بين مجمل إنتاجه السيمفوني، بل يذهب بعض النقاد والباحثين أنها الوحيدة – وربما الى جانب سابقتها، الأربعين – التي تفوق فيها موزارت على أعماله الأوبرالية، خصوصاً على «دون جيوفاني» التي لحنها قبلها بعام، وعلى «هكذا يفعلنها جميعاً» التي كتبها بعدها بعام. إذ يرى هؤلاء أنه بقدر ما كان موزارت عبقرياً في فن الأوبرا، ثم خصوصاً في كونشرتوات البيانو، كانت أعماله السيمفونية بصورة عامة، أقل عبقرية من تلك الأعمال. غير أن هؤلاء الباحثين يعترفون للأربعين وللحادية والأربعين، بمكانة شديدة التقدم والعلو في موسيقى موزارت ككل. ومع هذا ليس ثمة من بين المؤرخين والباحثين من يؤكد أو لا يؤكد أن سيمفونية جوبيتر قد عزفت خلال حياة مؤلفها. ففي الوقت الذي انتهى من كتابتها – يوم 10 آب (أغسطس) من ذلك العام – كان موزارت منهمكاً لأسباب معيشية لا أكثر، في تحضير سلسلته الموسيقية المعروفة بـ «كونشرتو للكازينو»، وذلك كي تقدم هذه الأعمال القصيرة في سهرات الكازينو الجديد الذي كان افتتحه صديقه فرانك أوتو. والحقيقة ان التاريخ لا يقول لنا، حتى في هذا المجال، ما إذا كانت تلك السلسلة نفسها قدمت في الكازينو أو لم تقدم. ويمكننا ان نتصور هنا أيضاً كم ان هذا كله ساهم في هبوط معنويات موزارت أكثر وأكثر وأدى الى استسلامه أمام المرض والتعب اللذين سيقضيان عليه بعد أعوام قليلة.

> غير أن هذا كله لا علاقة له، لحسن الحظ، بالمستوى المدهش الذي أوصل اليه موزارت سيمفونية «جوبيتر» هذه. إذ ها هو هنا بعد انسيابية سيمفونيته قبل السابقة عليها، والمعاناة الشديدة التي عبر عنها في السابقة، ها هو في الحادية والأربعين يقدم عملاً ذا ثراء في الآلات لا سابق له، عملاً يشهد على قوة وحيه وقدرته على رسم هندسة تضع العمل الموسيقي في إطار يمزج بين أقصى درجات العقلانية البنائية، وأروع التعبير عن البعد الأسطوري. ومن هنا كان عنوان «جوبيتر» الفلكي والأسطوري معاً، الذي أطلق على هذه السيمفونية. ولعل إدراكاً للخلفية العقلانية التي زود موزارت نفسه بها في الحقبة التي اشتغل فيها على «جوبيتر» كافية لتوضيح صورة ما تتعلق بها. إذ في ذلك الحين كان الموسيقي العبقري قد اشتغل على دراسات للكلاسيكيات، لحساب واحد من أعيان فيينا. وهذه الدراسات وضعته في قلب العديد من الأعمال الفنية والفكرية، في شكل راكم كل هذه الأعمال ومدلولاتها في ذهنه الى درجة أن أي مستمع واعٍ لسيمفونية «جوبيتر» لن يفوته تأثير ذلك التراكم في ما لجأ اليه موزارت من تركيبيته للبنية الموسيقية في عمل صور أفضل تصوير ذلك التطور الكبير الذي كان أصاب علم «الكونتربوان». وعلى هذا النحو، حركة بعد حركة في هذا العمل من مقام «سي كبير» والمؤلف من 4 حركات (اليغرو فيفاتشي – آندانتي كانتابيلي – منويتو آليغرتو، ثلاثي – ومولتو آليغرو)، يقدم لنا موزارت موسيقى صاخبة التعبير، ولكن لا يفوتها بين الحين والآخر أن تغرق في شجن عميق، شجن يبدو في تعبيرات المؤلف، خارجاً عن أي منطق هندسي، وتلعب فيه الوتريات دوراً أساسياً. ولعلهم محقون، هنا، أولئك الباحثين الذين رأوا في الحركة الأولى (اليغرو فيفاتشي) إيذاناً بولادة هذه الصيغة مرات ومرات في بعض أجمل لحظات العديد من سيمفونيات بيتهوفن... ولا سيما في تركيبية المواضيع التي كانت مشتركة لدى المؤلفين الكبيرين. ويفيدنا المحللون هنا كيف ان موزارت ومنذ مقاربته الموضوع الأول في سيمفونيته، انطلق انطلاقة قوية في تأكيد غنائي، راح يتجاوب مع قدر الطاقة المفرغة في الجمل الموسيقية الأولى، ولكن في صيغة سؤال ورجاء جعل موزارت لهما في الحركة كلها مكانة رئيسة، وكأنه أراد أن يجعل من الحركات الثلاث الباقية إجابات واستجابات. ولعل ملاحظة أساسية تفرض نفسها هنا، تقول لنا إن هذه الموضوعات في الحركة الأولى تبدو، في تأرجحها، غير معهودة في الموسيقى الموزارتية التي اعتادت أن تكون أكثر ثقة بنفسها، وبالتالي أكثر انسيابية في تأكيد موضوعها. ولعل موزارت تنبه الى هذا، إذ نجده يعود في الحركة التالية الى ثقته وانسيابيته، ولا سيما حين يدخل، في وقت يكون انسياب اللحن متواصلاً، جملاً تكاد تنتمي الى فن الأوبرا الساخرة الذي كان يطبع العديد من تلحيناته في هذا المجال. بل يمكن أن نلاحظ هنا كيف ان موزارت يبدو وكأنه خشي الاستطراد في أسلوب «الأوبرا-بوف» هنا ما يفقد عمله دراميته، لذا نراه يستعيد بسرعة اللمحات الدرامية الأولى ولكن ليس لفترة طويلة في أسلوب «الاندانتي كانتابيلي» الذي يملأ – على الأقل – نهاية الحركة الثانية، خصوصاً حين يعلو صوت آلات الكمان العديدة في غناء يكاد يبدو رومانسياً. وسيعود موزارت ليستخدم هذه الموضوعة – ربما كلازمة تذكيرية – في الحركتين الأخيرتين، حيث سرعان ما يقطع ذلك الألق الرومانسي الوتري، بجمل صاخبة، يتلوها عزف نايات شجية، لينهي هذا، كل مرة بجمل فانتازية، لعلها هي التي جعلت هذه السيمفونية تستحق اسم «جوبيتر». بيد أن علينا أن نلاحظ هنا ان الحركة الختامية، إذ تلوح بعد تلك المقدمات، سرعان ما تبدو، هي، الحركة التي تبرر أكثر اسم «جوبيتر»، بشكل يجعل اللازمات والموضوعات العديدة التي تتلاحق في الحركات الثلاث السابقة، تبدو ممهدة منطقية للحركة الختامية. وهذا ما جعل الباحثين والنقاد ينظرون الى السيمفونية الحادية والأربعين هذه، على اعتبارها سيمفونية هندسية، بل إن بعض المحللين يصل في عمق تحليله الى أن سيمفونية «جوبيتر» هي العمل الذي عبر فيه موزارت أفضل وأعمق تعبير عن ارتباطه الفكري والروحي بالماسونية (طائفة البنائين الأحرار)، حيث أن بنية العمل ككل تنتمي الى تلك الهندسة المعمارية التي تبدو مدروسة بعمق، بحيث أن استماعاً متكرراً الى هذا العمل ووعياً بتركيبية حركاته الأربع، يكشفان عن تلك العقلانية البنيانية التي تحدثنا عنها أول هذا الكلام، أو على الأقل عن جدل ماكر أقامه الفنان بين رومانطيقية كلاسيكية انسيابية، ولحظات هندسية مركبة. ومن هنا يكشف هذا العمل السيمفوني الأخير لموزارت عن نضج روحي وتقني يجعل «جوبيتر» تتويجاً لعمله ككل، وكذلك للدوامة التي كان يعيشها خلال تلك السنوات الأخيرة من حياته، بين معاناة رومانسية وجودية من ناحية، ونزعة إنسانية صلبة وشديدة العمق من الناحية الثانية.

> على رغم أن موزارت كتب أكثر من 560 عملاً طوال حياته الفنية، فإننا نعرف أنه لم يعش سوى خمسة وثلاثين عاماً. وهذا الواقع هو الذي يبرر السؤال الحائر والعميق الذي يقول: إذا كان هذا الفنان الاستثنائي كتب خلال حياته القصيرة كل هذا الكم – والنوع – من الاعمال الموسيقية الرائعة والمتنوعة، ما الذي كان في إمكانه أن ينتجه لو أنه عاش أطول. ولو أن حياته لم تنته بذلك الوباء الذي أصابه في فيينا ليقضي عليه عام 1791 ويرمي بجثمانه مثل أي ميت بائس هو الذي أبدع للموسيقى أعمالاً خالدة من الصعب وضع لائحة نهائية بها، وان كان من السهل التذكير ببعض عناوينها، في مجال الأوبرا والسيمفونية والسوناتا والكونشرتو... وصولاً الى أعمال تجمع كل الأنواع وأعمال أخرى تقف خارج التصنيف ولا سيما القداس الأخير الذي ختم به حياته، ولا يزال الى اليوم قائماً لغز ذلك «الشبح» الذي زاره وأوصاه ان يكتبه؟

alariss@alhayat.com











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group