موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 02:41 GMT - 2008/07/04


حال الطقس في 101 مدينة


النائبة اللبنانية وزوجة السجين السياسي الأشهر في تاريخ لبنان ... ستريدا سمير جعجع: الصورة التي رسمتُها شابةً عن فارس الأحلام كانت نقيض سمير جعجع

حوار: فاديا فهد ومشاركة مي زيادة     لها     - 10/02/06//

ستريدا
ستريدا
تشبه قصّتها قصّة أيّ جميلة أخرى, من حيث المبدأ: إبنة الـعشرين ربيعاً تزوّجت القائد الحزبي وتمنى الجميع لهما الثبات والنبات, ولينجبا الصبيان والبنات. ولكن التمنيات الجميلة لم تحل دون حدوث ما حدث. أُلقي القبض على الزوج الشاب وأُدخل السجن, وبقيت الجميلة وحيدة مدة 11 عاماً, تلملم جراحها وتُخرج من ضعفها قوةً لتأمين الإستمرارية. بوفاء كبير ونادر, حملت قضية زوجها الى البرلمان اللبناني, ورفعت يدها تصوّت لخروجه من السجن. "ليست مقابلة مع زوجة سمير جعجع, رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية, بقدر ما هي مقابلة مع ستريدا جعجع المرأة المناضلة - الرمز", كما تعلّق مستشارتها الإعلامية... 

الطريق الى منطقة الأرز, أعلى جبال الشمال اللبناني, حيث الفيلا الخاصة بآل جعجع, مغطاة بالثلج, لا بل شبه مقطوعة إلا أمام السيارات المجهّزة بالسلاسل المعدنية. لنا, نحن الوافدين من بيروت, الثلج سجن آخر... أكثر انسانية من السجون البشرية. الحرارة الخارجية صفر, يرفعها استقبال حارّ وابتسامة دافئة استقبلتنا بها ستريدا, "ستّ البيت", (لقب رافق جدّتها لأبيها طويلاً لصلابتها في إدارة أعمال العائلة إضافة الى أعمالها الخيرية). وحول فنجان قهوة ساخنة, يحلو الحديث ويطول...

* ستريدا طوق, من هي؟

خلال حملتها الانتخابية
خلال حملتها الانتخابية
- ستريدا امرأة لبنانية, إبنة هذا المجتمع اللبناني وتقاليده وعاداته. لم أولد في لبنان بل في أفريقيا, حيث كنا نعيش, ويعمل والدي. في سنّ السبع سنوات أصرّت أمي على العودة بنا الى لبنان كي يتسنى لنا تعلّم اللغة العربية, وبقي والدي في أفريقيا يدير أعماله, ويزورنا دورياً.

* ماذا يعني اسم ستريدا؟

- سِت هي رمز الجمال عند القدماء, وستريدا هو اسم قديسة تحتفل بذكراها الكنيسة الكاثوليكية في 12 كانون الثاني. كان والدي يريد لي, أنا الإبنة البكر, إسماً على اسم جدتي لأبي ماري أو ستّ البيت, كما كانت تلقّب, للدور البارز الذي لعبته في حياة عائلتها وفي منطقتها خصوصاً لجهة الأعمال الخيرية التي كانت تقوم بها.

* ماذا حفظت من طفولتك؟

في مناسبة حزيبنة تقدم العزاء
في مناسبة حزيبنة تقدم العزاء
- لم تكن طفولة عادية, صحيح ان والديّ كانا على قيد الحياة لكننا لم نعِش طفولتنا كأيّ عائلة عادية بسبب انشغالات والدي الدائمة في أفريقيا. وكان هذا صعباً. أذكر اننا يوم تركنا أفريقيا وعدنا الى لبنان, ودّعت جدتي لأبي التي كانت تعيش معنا في غانا, وتركت في أحضانها جزءاً مني. لقد كنت جدّ قريبة منها, ولم يكن سهلاً عليّ أن أنفصل عنها. أتذكر الصدمة التي عشتها عندما تبلّغت خبر وفاتها وكان لي من العمر 12 عاماً, بكيت حتى جفّ الدمع وأضربت عن النوم والطعام لمدة ثلاثة أيام. أذكر ان أمي علّقت بالقول: هل ستقومين بالشيء نفسه عندما أموت أنا أيضاً؟ والواقع انني عشت التجربة بألم مضاعف يوم توفيت والدتي.

* غياب الأم في رصاصة طائشة في الرأس خلال الحرب, في وقت كنت بأمسّ الحاجة اليها, كيف أثّر فيك؟

- لوالدتي الأثر الأكبر في حياتي خصوصاً انها ضحّت كثيراً من أجلنا. يكفي انها ارتضت أن تبتعد عن زوجها لتؤمن لأولادها مستقبلاً في وطنهم, وتحملّت نظرة المجتمع القاسية في حينها, الى امرأة تربّي أطفالها وحدها. كم تمنّيتها لو لم تمت ميتة فجائية, لو مرضت وأعطتني فرصة خدمتها فأردّ لها بعضاً من جميلها. موتها شابة في سنّ 39 عاماً ترك فيّ جرحاً عميقاً لأنني لم أبكها كما يجب, فقد تحمّلت على اثرها مسؤولية تربية شقيقي وشقيقتي اللذين كانا أصغر مني بسنتين ونصف السنة فقط, بعدما اضطرّ والدي الى العودة الى أفريقيا لمتابعة أشغاله. صحيح ان المال كان متوافراً, ولم يبخل والدي علينا بشيء, لكن رعاية شقيقي وشقيقتي مسؤولية كبيرة, الشقّ المالي هو جزء بسيط منها.

* خسرت جدّتك التي ربّتك في سنّ الـ12 ووالدتك في سنّ الـ18 ووالدك في سنّ 29 ودخل زوجك السجن وأنت في سنّ 26, ماذا تركت فيك كلّ تلك التجارب الصعبة في سنّ مبكرة؟

في جلسة للمجلس النيابي
في جلسة للمجلس النيابي
- أعتبر نفسي محظوظة لأن كلّ هذه التجارب الصعبة لم تتمكن مني, ولم تجعلني أغيّر نظرتي الى النصف الملآن من الكوب... لم تقتل فيّ تفاؤلي.

* ماذا عن تجربة المدرسة الداخلية, ماذا علّمتك؟

- كانت تجربة قصيرة, سنتان من الزمن, لكنها طويلة في قسوتها وجفافها. أدخلتنا والدتي انا وشقيقتي المدرسة الداخلية كي نتعلّم اللغة العربية ونكون في أحضان وطننا, وعادت هي إلى أفريقيا لتكون إلى جانب والدي. لكنها بعدما شعرت بقسوة تلك التجربة, اتخذت القرار بالعودة الى لبنان لتكون إلى جانبنا.

* بماذا كانت تحلم ستريدا الطفلة والمراهقة؟

- أحلامي أحلام أيّ فتاة أخرى تحلم أن تحقق ذاتها وتلتقي فارس الأحلام.

* وما هي مواصفات فارس الأحلام هذا؟

- فارس أحلامي في تلك السنّ كان بالتأكيد نقيض سمير جعجع. كنت أحلم برجل يكون لي وحدي ولا يشاركني اياه أحد, شاب أنيق يعشق السهرات الإجتماعية ويقود سيارة جميلة. وسمير كما تعلمون صاحب قضيّة لا تعنيه التفاصيل الإجتماعية والحياتية.

* من كان مثلكِ الأعلى في تلك الحقبة؟

- جدتي ستّ البيت كانت مثلي الأعلى. هي صاحبة شخصية قوية, وإرادة صلبة, هاجرت وجدي الى أفريقيا هرباً من الجوع في الحرب العالمية الأولى, وهناك اضطرت الى إدارة أعماله التجارية وحدها بعدما سجن جدي على أيدي السود بتهم عنصرية. كانت, رحمها الله, سيدّة شديدة الذكاء وحققت نجاحات كبيرة في التجارة متّكلة على حدسها وذكائها وخبرتها الحياتية رغم أنها لم تكن متعلّمة.

* يبدو ان قدر نساء عائلتك أن يتحمّلن الصعاب والأعباء وحيدات, ويصمدن في وجه الأمواج العاتية...

في المجلس النيابي بعيد استصدار قانون العفو عن زوجها
في المجلس النيابي بعيد استصدار قانون العفو عن زوجها
- صحيح, أتمنى أن أكون قد حقّقت ربع ما حقّقته أمي وجدتي لأنهما امرأتان عظيمتان. صدقيني مجتمعنا مليء بالنساء المبادرات العظيمات اللواتي عرفن كيف يتغلّبن على ألمهنّ لتأمين الإستمرارية, أذكر منهنّ صولانج الجميّل أرملة الرئيس الشهيد بشير الجميّل وبهيّة الحريري شقيقة الرئيس الشهيد رفيق الحريري, وجيزيل خوري, أرملة الصحافي الكاتب سمير قصير, وجيسي عيراني, أرملة الشهيد مسؤول الشؤون الطلابية في القوات اللبنانية رمزي عيراني. إن التجارب الصعبة والأليمة هي التي تحثّـنا على النمو واكتـشاف نقاط قوتنا وإرادتنا الصلبة من عمق الضعف.

* بأيّ مستقبل مهني واجتماعي حلمت؟

- كنت سائرة نحو الهندسة المدنية أو هندسة الديكور الداخلي.

ستريدا والسياسة

* كيف أقنعك سمير بتغيير اختصاصك الجامعي من هندسة الديكور الى العلوم السياسية, في ظلّ اختلاف الإختصاصين؟

- تضحك وتجيب: في ذلك الوقت لم يكن من الصعب ان يقنع شاب في سنّه يتمتع بكلّ تلك الكاريزما والقدرة على تحريك الآخرين, شابة في التاسعة عشرة. اليوم الوضع يختلف, فنحن نتناقش في كلّ شيء ويحاول كلّ منا تقديم البراهين والحجج لإقناع الآخر.

* هل صحيح ان سمير كان يساعدك في دروس السياسة؟

- تجيب مبتسمة: صحيح. أذكر انه في الإمتحانات كان يسهر معي الليل كلّه لمراجعة الدروس رغم كلّ انشغالاته كقائد للقوات اللبنانية في حينها. وقبل أن يبزغ الفجر, كان يقول لي أخلدي أنت الى النوم ولو لساعات معدودات, سألخص لكِ الفصول في سطور قصيرة نقرأها معاً باكراً وتعيدين قراءتها في طريقك الى الجامعة.

* ترعرت في عائلة غير بعيدة عن السياسة خصوصاً ان عمّك هو النائب السابق جبران طوق. فهل خطّطت يوماً لخوض غمار السياسة؟

- لم أفكّر يوماً في خوض غمار السياسة, لكنني منذ النعومة كنت أشعر بأن حياتي لن تكون حياة طبيعية تعيشها أيّ امرأة أخرى. والواقع ان حياتي مع سمير كانت دائماً محفوفة بالخطر.

* أيّ قضية تحمل ستريدا المرأة الى المجلس النيابي؟

- كزوجة سجين سابق, يهمّني أكثر ما يهمّني أوضاع السجين اللبناني وظروف حياته في السجن, ولكن قبل أيّ شيء نريد للبنان الإستقلال والسيادة والحرية الكاملة, لأنه من دون هذه المقوّمات الثلاثة لا يمكن إصلاح الأمور الأخرى. فالإنماء مرتبط بشكل مباشر بالواقع السياسي.

* أيّ واقع اجتماعي يمسّ المرأة, تتمنّين أن يتغيّر؟

أعتقد ان قانون الأحوال الشخصية يحتاج الى إعادة نظر. تصوّري ان المرأة المتزوّجة لا يمكن أن تسافر إلا بموافقة زوجها. هذا برأيي حدّ من حريتها.

* بماذا تردّين على مقولة ان وراء كلّ امرأة في السياسة, رجلا (زوجها أو والدها)؟

والدا ستريدا
والدا ستريدا
- مقولة صحيحة, فلولا دعم زوجي لي لما استطعت ان أحقّق نفسي وأبلغ ما بلغته. وسمير من الرجال الذين يدعمون المرأة ويحثونها على تحقيق ذاتها. ولكن وصول المرأة بدعم رجل ليس القاعدة, فهناك نساء كثيرات وصلن الى النيابة من دون دعم أزواجهنّ, والنائبة اللبنانية غنوة جلّول خير مثال عليهنّ. أعتقد انه مع الوقت سيتسنّى لأمثال جلول أن يبلغن أكثر فأكثر مواقع القرار عبر الأحزاب والتيارات التي ينتمين إليها.

* لوحظ غياب تصريحاتك السياسية, النيابية, وتركك الكلمة لزوجك؟ أليس في ذلك انتقاص من دورك السياسي كنائبة في البرلمان اللبناني؟

- إطلالاتي الإعلامية السياسية معدودة, فأنا مدركة ان رئيس كتلة القوات اللبنانية النيابية هو سمير جعجع, وليس لأنني زوجته, عليّ أن أصرّح يومياً الى الصحافة والإعلام. ولا أرى في ذلك أيّ انتقاص من دوري.

أنا وسمير

* ماذا أخذت عن والدك وعن والدتك؟ وماذا أخذت عن سمير جعجع؟

- أخذت عن والدي حبّ العطاء وعن والدتي التضحية والصبر. وتعلّمت من سمير أن أعطي حياتي معنى أسمى وأعمق.

* كيف التقيت سمير وماذا لفتك فيه أول ما لفتك؟

ستريدا وسمير جعجع بعيد خروجه من السجن
ستريدا وسمير جعجع بعيد خروجه من السجن
- التقيته أول ما التقيته في منزل عمّي النائب جبران طوق, كان لقاء عابراً. وبعد أسبوع واحد, كنت مريضة وحرارتي مرتفعة, فاجأني يطرق باب بيتنا برفقة عمّي, فتحت الباب وعلى وجهي بادية علامات التعب فقال لي: عرفت أنك مريضة فجئت كي أعودك! بدا لي شاباً صريحاً وجريئاً من اللحظة الأولى, وهو ما شدّني إليه. ولا أكشف سراً ان قلت انني كنت أواعد شاباً آخر, لكن دخول سمير حياتي غيّر كلّ مخططاتي المستقبلية.

* ما هي صعاب أن تتزوّج المرأة رجلاً سياسياً قيادياً؟ وما هي الإيجابيات؟ وعندما تزوجتما هل كنت تعين كلّ ذلك؟

- الواقع انني لم أفكّر بذلك في تلك الأثناء. أما اليوم, فأنا أعي تماماً الصعاب والإيجابيات. على زوجة السياسي القيادي أن تعرف انها لن تعيش مع زوجها حياة طبيعية ولن يكون لهما أوقات حميمة يمضيانها معاً في مشاهدة التلفزيون أو التزلّج على سبيل المثال لا الحصر, وعلى المرأة أن تضحي بوقتها وأحلامها الشخصية من أجل القضية - الحلم التي يحملها زوجها. عليها قبل أيّ شيء أن تدرك ان حياة زوجها دائماً على كفّ عفريت. هل تصدقين انني وسمير كنا نختلي ببعضنا يوم كان في السجن أكثر من اليوم؟ قلت له ممازحة: سأسعى الى سجنك من جديد علّني أحظى بلقائك على انفراد مرتين في الأسبوع. فقال ضاحكاً: لنلتزم اليوم بتلك المواعيد ونفرّغ نفسينا من أيّ التزام آخر لمرتين في الأسبوع, ونتفرّغ لتبادل الآراء والنقاشات. فأجبته أنا موافقة.

باختصار, الحياة مع رجل مثل سمير لها نكهة خاصة. لكلّ يوم تحدّ جديد وطعم آخر.

* هل كنت تفضلين لو استعدت سمير بعد خروجه من السجن, لكِ وحدك كزوجة, وابتعدتما عن السياسة الى الأبد وسافرتما للعيش في دولة أجنبية؟

- ليس الآن. لقد دفع ثمن اقتناعاته غالياً وعليه أن يعيشها حتى النهاية. واليوم أنا مقتنعة بالقضية التي يحملها وقد نذرت نفسي لها أيضاً. لو طرحت علي السؤال قبل 11 عاماً, أيّ قبل أن يعتقل سمير, لكنت أجبت بنعم. أذكر انني في حينها طلبت إليه أن يترك كلّ شيء ونرحل معاً للعيش خارج لبنان, رجوته باكية أن يفعل, نظر إليّ قائلاً: ستريدا حاولي أن تفهميني, إن فعلت, تكونين قد خلّصت جسدي وقتلتِ روحي... لن أكون سمير الذي تعرفين. اليوم أستطيع أن أفهمه أكثر.

* ماذا تخبرينا عن سمير الإنسان؟ (ما لا نعرفه عنه).

- ما لا يعرفه الناس عن سمير انه حنون جداً وعاطفي جداً جداً. لا يخفي ضعفه ولا يتوانى عن البكاء أمام المرأة التي يحبّ. لا أنسى كيف وقف إلى جانبي وإن من وراء قضبانه, عندما توفي والدي. لطالما كان سمير حنوناً لكنه لم يكن يظهر ذلك, كان في السابق يتجّنب أن يقبّل الناس, اليوم أراه يحضن مستقبليه ويقبلهم. كأنه يحتاج أن يخرج كلّ هذا الحنان الذي حبسه فيه لسنوات طويلة.

* سمير في مرحلة معيّنة كان لك ولإخوتك, الأب والأخ الأكبر, خصوصاً بعد موت الأم, وغياب الأب بداعي العمل في أفريقيا... ماذا عن هذا الدور الذي لعبه في حياتك؟

مع شقيقها داني وشقيقتها دنيز
مع شقيقها داني وشقيقتها دنيز
- لعب سمير دوراً كبيراً في حياة عائلتي, إحتضن شقيقي وشقيقتي بمحبة كبيرة وهما حفظا له العاطفة نفسها. أتصدقين انهما يقفان الى جانبه إن اختلفت معه في الرأي؟ شقيقتي دنيز ترى فيه الأب والأخ الأكبر والقائد. والدي على فراش الموت, أوصاني: لا تتركي زوجك سمير! الى أيّ حدّ أحبته وتحبه عائلتي.

* في شخصية كلّ منا مزايا وسيئات, ما هي مزايا سمير جعجع وما هي سيّئاته؟ما تحبينه وما لا تحبينه فيه؟

- سمير مخلص لقضيته كلّ الإخلاص, قلبه كبير واسع وكريم الأخلاق. أما سيّئاته فتتلخص بأنه عنيد,لا يمنعه شيء أو شخص عن تحقيق ما يريد. منضبط الى أبعد حدود, ولا أعلم ان كانت هذه الصفة تندرج في خانة السيئات أم المزايا. لا يقبل الغلط في أكبر الأمور كما في أصغرها. "لا تأكلوا البطاطا المقلية فهي مضرّة بالصحة, حذار من الشوكولاته لأنه يزيد وزنك من دون فائدة غذائية تذكر"... الى حدّ ان شقيقتي دنيز تشعر بالذنب إذا ضبطها تأكل حبّة شوكولاته.

* هل يتدخل في أناقتك وتفاصيل ديكور المنزل؟

ستريدا طفلة
ستريدا طفلة
- يحبّ الكلاسيكية البسيطة من الأناقة الى الديكور. للوهلة الأولى, لم يحبّ ديكور منزلنا هنا في الأرز, واعتبر انه يحوي الكثير من الأثاث وهو لا يحبّ العجقة في الديكور. لكنه مع الوقت غيّر رأيه, واعتبره جميلاً دافئاً. في ما يتعلّق بأناقتي, يفضلها كلاسيكية هادئة, وهو يثني على أناقتي دون أيّ تفاصيل.

* هل كنت تتوقعين أن تمرّ قصّة حبّكما بتجارب صعبة, كتجربة السجن؟

- أبداً, كنت أتوقع أن يموت اغتيالاً وكنت أتمنى دائماً أن أموت الى جانبه. لكنني لم أفكّر يوماً بأننا قد نمرّ بتجربة السجن والمحاكمات الطويلة التي لم تكن تعرف نهاية. أصعب ما في السجن هو انك تشعرين كزوجة سجين, بأنك لا معلّقة ولا مطلّقة. صمودي كان تحدّياً أخذته بيني وبين ذاتي لأنني أحبّ زوجي, ومع الوقت لم يعد سمير جعجع وحده يهمّني بل سمير وقضيته. لا أخفي انني في السنوات الأربع الأولى لم أكن أهتمّ بالقضية السياسية بقدر ما كنت مهتمّة بزوجي السجين, لكن مع الوقت صار الإثنان يهمانني بالدرجة نفسها.

* بأيّ حكمة خرجت من هذه التجربة؟

- حكمة واحدة رددتها وأرددها يومياً: يا رب أعطني نعمة الصبر كي أتحمّل الأمور العاجزة عن تغييرها وأغيّر الأمور القادرة على تغييرها, وأستطيع ان أميّز بين الإثنين.

* كان سمير يكتب لكِ الرسائل, فهل كنتِ تبادلينه الرسائل أيضاً؟

- كان يكتب لي بشكل دوري, لكنني لم أكن أبادله الرسائل. لست من الأشخاص الذين يعبّرون بالكتابة.

* هل هذا يعني أنك لم تكتبي أيّ مذكرات عن تلك الحقبة السوداء؟

- لم يكن مسموحاً ان أكتب, خوفاً من أن تقع دفاتري بين يدي جهات وتستخدمها ضدّنا. لكننا اليوم بصدد إعداد فيلم وثائقي عن تلك المرحلة.

* كلّنا بشر, وكلّنا يخاف, ويبكي ويحبط... نمرّ بلحظات ضعف. متى ضعفت ستريدا؟ متى خافت؟ متى شعرت بالإحباط؟ متى شعرت بالوحدة؟

- ضعفت وخفت عندما دخل السجن, وهذا ظهر في خسارتي أكثر من عشرة كيلوغرامات في شهر واحد. أدمنت المهدئات مدة 6 أشهر بعدما طار النوم من عينيّ. لم أكن أعرف طعم السيجارة, صرت أدخّن أكثر من علبتين يومياً.

* وهل ما زلت تدخنين حتى اليوم؟

- أقلعت عن التدخين قبل سنتين.

* "زوجة السجين" يحاكمها المجتمع قبل أن يحاكم زوجها... كيف عشت التجربة؟

- في السنتين الأولى والثانية, كان الناس يتجنّبونني كأنني مريض مصاب بالجذام! نظراتهم كانت مليئة بالشفقة والإشمئزاز ...

* هل آلمك تخلّي الأصدقاء عنك, أو من كنت تعتبرينهم أصدقاء؟

تتصفح مجلة ''لها''
تتصفح مجلة ''لها''
- لا ألومهم. ليس من السهل أن يصادق الناس زوجة سجين. كنت تحت المراقبة, كانوا يفتشون كيلو اللحمة وكيس الخضار الذي يدخل منزلي. أتفهّم مخاوفهم, ولكنني لا أسامح من وجّه الى ظهري ألف سكين وهو يدعي الصداقة والمحبة.

* ما هو أصعب أو أقسى موقف مررت به؟ ولماذا؟

- أن تعرفي أن صديقاً يوجّه إليك طعنة في ظهرك وتتظاهرين بأنك لا تدرين.

* ما هو الجرح الذي بقي من تلك الحقبة؟

- جرح أولئك الذين طعنوني في ظهري. يقول سمير: عليك أن تسامحي, لكنني لا أقدر. ربما مع الوقت أستطيع أن أنسى لكن ليس في الوقت الحاضر.

أنا قوية وضعيفة, في الوقت نفسه, هذا ما قلته ذات يوم...

صحيح. في شخصيتي تناقضات كثيرة, أجمع بين الضعف والقوة, بين القسوة والحنان, بين العاطفة والعقل.

* هل تمنّيت يوماً ألا تمرّي بالتجارب القاسية التي مررت بها؟

- نعم ولا, ولكن المؤكد ان تلك التجارب صقلتني وجعلتني أفكّر أكثر في معنى لحياتي... فما عدت أعيش على هامش الحياة بل في صلبها وصميمها. وصدقيني لا أؤمن ان أولئك الذين يعيشون على هامش الأمور هم أسعد مني اليوم. السعادة كلمة مطاطة, ولا أعتقد ان هناك سعادة مطلقة بل لحظات من السعادة نسرقها من هنا وهناك.

* بعد غياب قسري دام 15 عاماً, كيف كان اللقاء بين الزوجين؟

- التقيته في المطار, قلت له حمداً لله على سلامتك وعندما صعدنا الطائرة وضعت رأسي الى صدره وأغمضت عينيّ. شعرت بالأمان, وكان هذا الشعور كافياً لأصمت طوال الرحلة. في باريس تحدّثنا طويلاً, كنت أحاول أن أروي له كلّ ما جرى في غيابه, روايات ممزوجة بالدموع... بكيت كثيراً لأنني كنت محرومة من نعمة البكاء فترة طويلة.

* هل تغيّر سمير بعد خروجه؟ وهل تغيّرت ستريدا؟

...مع الزميلتين فاديا فهد ومي زيادة
...مع الزميلتين فاديا فهد ومي زيادة
- كلانا تغيّر ونضج. اليوم أنظر إليه بموضوعية أكثر بعيداً عن شغف الحبّ الأعمى, علماً انني ما زلت أحبّه. صرت أقدّر مزاياه أكثر وأناقش معه قراراته, في حين انني كنت أرى في كلّ قرار يتخذه في الماضي قراراً صائباً. اليوم صرت أخاف عليه أكثر وأحاول أن أحميه حتى من قراراته. لكن الكلّ يعلم ان الكلمة الأولى والأخيرة له, وإن استمع بإصغاء إليّ... السفينة تغرق إن قادها ربانان.

* ما هي أبرز التغيرات التي لاحظتها في سمير الإنسان بعد خروجه؟

- صار أكثر عاطفة ولا يتوانى عن إظهار عاطفته للآخرين, كذلك صار يهتمّ أكثر بالشكل والمظهر الخارجي, يستفيق باكراً ويمضي وقتاً طويلاً في اختيار بذلته والقميص وربطة العنق. صار يستمتع بالحياة أكثر, يتأمّل الثلج منهمراً لساعات بفرح طفولي كبير, يستمتع بالطعام, بالطبق الذي يقدّم له. صارت كلّ تفاصيل الحياة قيّمة بالنسبة إليه. لم يكن كذلك قبل السجن.

الوقت لا يقتل الحبّ...

* تقول فيروز "الوقت يقتل الحبّ", ماذا تقولين؟

فهد وزيادة تصافحان سمير جعجع
فهد وزيادة تصافحان سمير جعجع
- الوقت لا يقتل الحبّ بل يحوّله في اتجاه آخر: يذبل الشغف وينمو الإحترام والودّ بين الطرفين.

* ما هو سرّ دوام الزواج؟

- الحوار هو سرّ دوام كلّ زواج بالإضافة الى الصراحة والتقدير والإحترام المتبادلين وطبعاً التضحية.

* ما الذي تريد أن تنساه ستريدا, في حياتها الجديدة مع سمير؟

- لا أريد أن أنسى أيّ شيء من حياتنا الماضية, أريد أن أتذكر دائماً وكلّ لحظة, ففي الذكرى عبرة. كلّ ما عشته خلال 11 سنة, كان مجموعة من الخبرات المتراكمة صقلت شخصيتينا.

* الأمومة, هل تفكرين بها؟ وهل صحيح خبر حملك؟

لقطة خلال حملتها الانتخابية
لقطة خلال حملتها الانتخابية
- مع الأسف خبر حملي غير صحيح. لكننا أفكّر وسمير جدياً بالموضوع. نريد طفلاً يشاركنا أيامنا المقبلة معاً.

* رغم ان ظروف حياتكما غير طبيعية, والطفل لن يترعرع في أجواء عائلية عادية...

- هذا صحيح. لا أخفي ان لديّ مخاوف جمّة, أحاول أن أتغلّب عليها لأنني مصمّمة على الإنجاب.

الصداقة

* من هي حافظة أسرار ستريدا؟

في حضن والدتها
في حضن والدتها
- لديّ مجموعة صغيرة من المقربين على رأسهم شقيقتي دنيز, لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. دنيز من أقرب المقربات. ألقي برأسي على كتفها وأبكي فتبكي معي, وأضحك فتضحك معي... إنها حقاً خير الأخت.

* معروف عنك تقديسك للوفاء؟ فما أنتِ قادرة على فعله من أجل أصدقائك الأوفياء؟

- كلّ شيء... أهبهم حياتي وكلّ ما أملك.

* بين الأصدقاء المزيّفين والأصدقاء الحقيقيّن, قناع, كيف تعلّمت أن تنزعيه عن وجه محدّثك؟

- الوقت كفيل بأن يجرّد المرء من كلّ أقنعته... أتركهم للوقت.

* ماذا على المرء أن يفعل كي يكون صديقاً لستريدا؟

- عليه أن يكون نفسه, مجرداً من أيّ قناع.

* من أين تستمدّ ستريدا قوتها للإستمرار؟

- من إيماني وثقتي بالله سبحانه وتعالى, وثقتي بنفسي. ومن يبصر مصيبة الآخرين تهنْ عليه مصيبته. 





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group