موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 02:42 GMT - 2008/07/04

حال الطقس في 101 مدينة







الحراك الاجتماعي يعين الحدود والتبدلات ... «دفاعاً عن الرأسمالية العالمية» عبر ربطها بالحرية والتقدم

أحمد جابر      الحياة     - 01/12/07//

مدينة نيويورك من رموز الرأسمالية ؟
مدينة نيويورك من رموز الرأسمالية ؟
تنطبق مقولة «خير الدفاع الهجوم» على الكاتب يوهان نور بيرغ، الذي نفذ من خلال كتابه «دفاعاً عن الرأسمالية العالمية» هجوماً منسقاً ضد منتقديها، (صدر الكتاب عن الأهلية للنشر والتوزيع في بيروت - 2007، وأنجز الترجمة نور قباعة).

وتستحضر فكرة الدفاع عن الرأسمالية، مسألة الاستغلال مباشرة، لذلك فهي غير «شعبية» خصوصاً في مناطق العالم الثالث، أو ما بات يعرف اليوم باسم «الجنوب» بعد زوال «العالم الثاني»، خصم الرأسمالية المباشر، الذي سعى حثيثاً لزوالها... لكن العداء «البدئي» لمسألة «تزيين الرأسمالية» لا يقفل الباب أمام المراجعة العقلانية الضرورية، الساعية إلى قراءة فكرية جادة، تقلّب دفاتر الرأسمالية، ونماذج «الاشتراكية» لتصل بوضوح كاف، إلى المعاني والوقائع، التي تضافرت حول نظام اقتصادي – اجتماعي محدد، فوفرت عناصر بقائه، وانفضت من حول نظام آخر، فسرّعت في آليات انهياره وفنائه! يقود محاولة «نوربيرغ» طموح الدفاع عن الحرية، وملاحقة مظاهرها في السوق، وفي التجارة الحرة، وعلى صعيد الأفراد... ويحف بالجهد المبذول من جانبه، ادعاء ان لا نظام آخر غير الرأسمالية يوفر مناخات ازدهار الحرية، الفردية والمجتمعية، ولا يغيب عن بال القارئ، أن القناعة المستترة لدى الكاتب، هي الاعتقاد بـ «نهاية التاريخ»، الذي تشكل الرأسمالية ذروة تحققه! لم يتوقف «الكتاب» طويلاً، أمام التدقيق في أسباب انهيار المشاريع الأخرى التي ناوأت الرأسمالية، بل اكتفى بتسميتها، وبإطلاق الألقاب عليها، لذلك لم يشر إلى عوامل قيام الشمولية الاشتراكية، والديكتاتورية، والأنظمة المركزية... ولم يدقق في مسؤولية الرأسمالية عن هذه «العمليات» السياسية والاجتماعية، إذ أن الثابت، وقائعياً، أن الرأسمالية، موئل الحرية، لدى الكاتب، كانت هدفاً للحراك الاجتماعي الذي ناصبها العداء، مثلما كانت حليفاً للديكتاتوريات التي سارت في ركابها، وكانت هي، أي الرأسمالية، من صانعي هذه الشموليات، وداعميها أيضاً.

موقف يوهان نوربيرغ هذا، جعله يدخل إلى معالجة الرأسمالية من موضوعات «الإنتاج» ومن أدلة الإحصاءات والأرقام. وهذان العاملان، ليسا دائماً دليلين واضحين، على قوة النموذج الرأسمالي وأزليته، أو على تحسن الصحة المجتمعية، وصعود البشر على سلالم العدالة الاجتماعية المطردة. من جهة أخرى حجب المدخل الإحصائي، الذي اختاره الكاتب، ضرورة التدقيق في مسألة أن الرأسمالية التي يعاينها اليوم هي غير الرأسمالية التي ولدت وترعرعت واشتد عودها في مناخات الاستغلال الصارم وفي مسالك الفظاعات الانسانية المتنقلة... هذا يعني أنه كان حرياً بالكاتب البحث المدقق، للإجابة عن سؤال: هل العدالة النسبية الحالية، والحريات، والدمقرطة، ومستويات العيش الأعلى... أمور من طبيعة الرأسمالية ذاتها؟ أم أن ما يشيد به الكاتب من مزايا، ينسبها الى الرأسمالية، لا تعدو كونها حقوقاً انتزعها البشر، من مستغليهم الرأسماليين، عبر جلجلة طويلة من المصاعب والآلام؟ الجواب سلباً أو إيجاباً، يفتح النقاش في موضوع آخر، لم يتطرق إليه يوهان نوربيرغ، هو موضوع قدرة الرأسمالية على التكيف، والأسباب التي تجعل هذه القدرة متوافرة، انطلاقاً من الأفكار، مروراً بالاقتصاد، وصولاً إلى البنى الاجتماعية.

لا جدال هنا، في أن الرأسمالية استطاعت «تجديد نفسها» أي أنها تكيفت مع التغيرات الاجتماعية التي أطلقتها الديناميات الرأسمالية ذاتها، لكن يجدر التذكير دائماً، بأن التكيف كان وجهه الآخر فرض المطالب وانتزاعها، من جانب القوى الاجتماعية التي تشكلت في ظل قوانين الرأسمالية، واكتوت بنار «قيمها» قبل أن تفوز بنصيب من عائداتها المادية الوفيرة. بعد هذه الإشارات الاستباقية، يمكن القول إن الكاتب ظل أميناً لنفسه في دعوته الى الحرية، وفي تبيان الأدلة التي تجعل دفاعه عن الرأسمالية مبرراً وذا صدقية. عليه، صار الترويج لاقتصاد السوق الحرة، معادلاً «للإيمان الجوهري بالبشرية... واعتقاداً بحلول الحرية والطوعية في كل المجالات».

وفي تتبع الكاتب، لرصد أحوال العالم، يجد أن العالم بات أقل ظلماً، وأن الفقر تراجع، مع زيادة غنى الأغنياء، وعبر ثلاثة مليارات إنسان خط الفقر، مع ما رافق ذلك من «ارتفاع متوسط العمر، وتراجع المجاعة، وانخفاض سعر الغذاء...». من ذلك يخلص الكاتب إلى تعريف الفقر «بأنه الحرمان من الفرص»، ويحدد «الجوع» بأنه مشكلة الوصول إلى المعرفة والثروة والظروف الآمنة لإنتاج الغذاء...».

في هذا المجتمع العالمي الذي يتجه نحو «الشبع» يلاحظ الكاتب أن التعليم زاد انتشاره، وأن اضطهاد النساء بات أقل، بسبب من الاستقلالية التي حصلت عليها النسوة، اللواتي بات من الصعب استبعادهن من سوق العمل، بسبب المنافسة والأسواق الحرة المفتوحة. كذلك تدنت اللامساواة عالمياً، بين البلدان، وباتت الليبرالية الاقتصادية طريق الدول الأفضل إلى النمو والازدهار وإلى مزيد من الحرية الفردية والحقوق الإنسانية الأساسية. وجد الكاتب ما يدعم نظرياته في أمثلة ساقها من آسيا ومن أفريقيا ومن أميركا اللاتينية، وأفرد حيزاً للصين والهند والنمور الآسيوية، ولبعض من دول أفريقيا ليخرج من كل الأمكنة بخلاصة وحيدة: هي أن الحرية الاقتصادية قاطرة لكل الحريات الأخرى، إذ من الصعب في رأيه، بل من المستحيل، استمرار الجمع بين «انفتاح اقتصادي وديكتاتورية سياسية». يعتبر يوهان نوربيرغ أن «الرأسمالية أعطت الشعوب الحافز للخلق والانتاج والإتجار، فولدت الازدهار»، وهو يرد تسمية «العولمة» إلى انتشار هذا النظام الرأسمالي، ثم ينتقل من التسمية إلى الدفاع عن آليات العولمة وقيمها، في وجه مناهضيها ومنتقديها. ينضم الكاتب في هذا المجال، إلى مجمل الذين يبشرون بمنافع العولمة، ويحضون على الالتحاق بركبها، ويحذرون من التخلف عن الاستجابة لمتطلباتها. نسمع في «الكتاب»، بعبارات أخرى، ما رددته كتب سابقة، عن «أن الكل رابح في العولمة»، من خلال الاعتماد المتبادل، الذي ينقل الخيرات والخبرات والتقنيات، مصحوبة دائماً بسلّة من الإصلاحات الهيكلية، التي لا يجرى التوقف كثيراً أمامها، لجهة ملاءمتها البلد المطلوب منه أن يتكيف، ولجهة «أضرارها الجانبية» ولجهة السرعة المطلوبة في تنفيذ أحكامها. تتراجع أهمية كل ذلك، لدى كل محبذي العولمة بـ «غير شروط» وما يستوقفهم فيها مزاياها فقط. في هذا المضمار، يؤكد الكاتب، أن السلام العالمي، واحد من إنجازات العولمة. فالاعتماد المتبادل، والتبادل الاقتصادي أكثر جدوى من الحروب... وما دامت «البضائع تعبر الحدود، فلا حاجة لأن يعبرها الجنود»... عليه يصير باهتاً السؤال عن سبب النزاعات التي يعيشها عالمنا اليوم، وقد يرد الأمر إلى سيئات الديكتاتوريات التي تلجأ إلى الحروب، أو تقدم مسبباتها، هذا لأن الديموقراطيات لا تتقاتل في ما بينها...!!

بعيداً من ذلك، يسجل للكاتب دفاعه عن حرية انتقال البشر عبر الحدود، إذ «لا عولمة اقتصادية من دون اجتياز الحدود» وهو ينظر إلى الوافدين الجدد «كقوة عاملة وكعنصر يزيد من الاستهلاك، وكفرصة تفاعل لتوليد مجتمع متنوع وابتكار حلول خلاقة»... إلى ذلك يضيف، أن «الهجرة الوافدة مطلب اقتصادي محلي»، لذلك فهي ليست «منّة» يقدمها هذا النظام أو ذاك.

يجول «نوربيرغ» سجالياً، بين الشركات العابرة المتعددة الجنسية، وبين قضايا عمالة الأطفال. ونظريات كميات العمل الثابتة، التي تفترض حلول عامل أجنبي في وظيفة آخر محلي... ويمر على فخ «المديونية» الذي يمسك بخناق أكثر من اقتصاد وطني، ويصرخ في وجه «الحمائية» التي تمارسها دول الغرب الصناعية، فتحرم الآخرين من دخول أسواقها «وتخرجهم من النشاط الاقتصادي في بلدانهم، بسبب سياسة الإغراق وتقييد المنافسة... ويعلن احتجاجه على فرض الضرائب وتحديد سقوف للأسعار... كل ذلك ليظل منسجماً مع رسالة الحرية، التي آمن بكتابة سطورها، وتعميم محتواها، المتضمن مادة وحيدة: الليبرالية، والنظام الرأسمالي القابل وحده للانسجام مع الديموقراطية».

في ظل هذا النظام يدافع نوربيرغ عن حرية الثقافة التي لا تحتاج إلى «شرطة لحمايتها»، ويعلن إيمانه بأن «مصير المجتمعات مشترك في النهاية»، لذلك لا بد من توفير الحرية للجميع كي يختاروا تقرير مصيرهم... لأن الكل قادر على مواكبة الحرية.

قد يكون التقصير واضحاً في شرح يوهان نوربيرغ للآليات الاقتصادية، ولمعاينة سيروراتها التاريخية، لكن مرافعته عن الحرية الإنسانية كانت جلية، مما يدفع إلى ملاقاتها، ولو من زوايا فكرية مختلفة.

كاتب لبناني











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group